منذ أكثر من ألفي عام، وعلى الرغم من اختلاف الحضارات والمدارس الفكرية، يكاد يجمع كبار منظّري الاستراتيجية على حقيقة واحدة: الحرب ليست غاية، بل وسيلة. فمن سون تزو الذي دعا إلى تحقيق النصر بأقل قدر ممكن من القتال، إلى كلاوزفيتز الذي اعتبر الحرب "استمرارًا للسياسة بوسائل أخرى"، إلى جوميني الذي أخضع العمليات العسكرية للأهداف السياسية، وصولا إلى ليدل هارت الذي رأى أن نجاح أي حرب يُقاس بقدرتها على الوصول إلى "سلام أفضل"، بقي المبدأ ثابتًا: القوة العسكرية لا تُقاس بقدرتها على القتال، بل بقدرتها على تحقيق هدف سياسي واضح.
لكن عندما تتحول الحرب إلى غاية بحد ذاتها، تنهار الاستراتيجية، لأن الوسيلة تبتلع الهدف ويصبح استمرار الصراع أهم من تحقيق أي نتيجة سياسية.
في مقالي السابق، انطلقت من فكرة مفادها أن بعض المشاريع لا تبدأ بالمشكلة، بل تبدأ بحلّ جاهز ثم تبحث عن المشكلة التي تبرر وجوده واستمراره. ويمكن قراءة ما يُعرف بـ"محور المقاومة" من هذا المنظور. فإذا أصبح الحفاظ على السلاح هو الهدف الأساسي، لم يعد الصراع وسيلة لتحقيق غاية سياسية، بل غدا ضرورة دائمة لإنتاج مبررات جديدة لاستمرار السلاح.
ومع هذا التحول، تآكلت مؤسسات الدولة، وانهار الاقتصاد، وتسارعت الهجرة، فيما يجد الشباب أنفسهم رهائن مستقبل تحكمه الأزمات المتلاحقة. وفي نهاية المطاف، لا يدفع الخصوم ثمن هذا الواقع، بل يدفعها جميع اللبنانيين، بمن فيهم أبناء البيئة التي يُقال إن هذا المشروع وُجد أساسًا للدفاع عنها.
من هنا، فإن أي مبادرة جدية للسلام ليست مجرد خيار دبلوماسي، بل خطوة استراتيجية تعيد الحرب إلى موقعها الطبيعي كوسيلة استثنائية للدفاع عن الدولة، لا كحالة دائمة. فالسلام لا يخفف احتمالات المواجهة العسكرية فحسب، بل يسحب أيضًا إحدى أهم الذرائع التي تستند إليها المشاريع القائمة على الصراع المستمر.
غير أن السلام وحده لا يكفي، لأن السلام لا يصمد في دولة عاجزة عن توفير الأمن. وكما يوضح "هرم ماسلو"، لا يستطيع الإنسان التفكير في التنمية أو تحقيق الذات قبل أن يشعر بالأمان، وكذلك لا تستطيع الدولة بناء اقتصاد مزدهر أو جذب الاستثمارات أو إنجاح أي إصلاح سياسي إذا عجزت عن احتكار مسؤولية الأمن. فالأمن هو قاعدة الهرم، ومن دونه تبقى سائر الإصلاحات هشة.
ولا شك أن لبنان يحتاج إلى إصلاح سياسي عميق، سواء عبر الفدرالية كما نقترح، أو من خلال أي صيغة إصلاحية أخرى. لكن، مهما اختلف اللبنانيون حول شكل النظام السياسي، تبقى حقيقة واحدة ثابتة: لا دولة من دون مؤسسة عسكرية قوية تحظى بثقة جميع المواطنين.
والمشكلة لا تكمن في الجيش اللبناني بحدّ ذاته، بل في أن عقودًا من الأزمات الاقتصادية، والتحديات السياسية حدّت من قدرته في أنماط التجنيد والتوزيع البشري بين مختلف المناطق والطوائف.
ومن هنا تبرز فكرة إنشاء وحدات محلية، لا بوصفها قوات مناطقية مستقلة، بل كوحدات نظامية تخضع للقيادة والعقيدة والقوانين نفسها التي تحكم المؤسسة العسكرية. ويقوم هذا النموذج على اعتماد نسبة مرتفعة من أبناء المناطق التي تتمركز فيها هذه الوحدات، بما يعزز الثقة والتعاون مع المجتمعات المحلية، ويزيد من فاعلية الانتشار والاستجابة الأمنية، من دون المساس بوحدة الجيش أو طابعه الوطني.
هذا النموذج معمول به، بأشكال مختلفة، في عدد من الدول الديمقراطية، لأنه يجمع بين وحدة القيادة وتعزيز ارتباط المجتمع بمؤسسته العسكرية. وفي لبنان، يمكن أن يعزز ثقة المواطنين بالدولة، ويرفع كفاءة الجيش بفضل معرفة أبناء المناطق بجغرافيتها وبيئتها، ويوسع قاعدة التجنيد، ويعزز الانتماء الوطني. والأهم أنه يسحب تدريجيًا الذريعة التي تستند إليها القوى المسلحة خارج الدولة، وهي الادعاء بأنها تؤمن الحماية عندما تعجز الدولة عن ذلك. فعندما تصبح الدولة، عبر جيشها، حاضرة في كل منطقة وتضم أبناءها في صفوفها، تنتفي الحاجة الموضوعية إلى أي قوة موازية.
إن نجاح أي استراتيجية لبنانية لا يُقاس بحجم الترسانة العسكرية، بل بقدرتها على جعل لبنان أكثر أمنًا واستقرارًا، وعلى بناء دولة قادرة على حماية جميع مواطنيها ومجتمعاتها. فالسؤال الحقيقي الذي يواجهنا اليوم هو كيف نبني دولة تمتلك القدرة على حماية جميع مكوناتها.
نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار
الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ