أعلنت الولايات المتحدة الأربعاء توصّلها إلى اتفاق "تاريخي" للتعاون النووي المدني مع السعودية، مؤكدة أنه مرفق باتفاق ضمانات لمنع الانتشار النووي، فيما يخشى منتقدوه أن يُمهد الطريق لسباق تسلح نووي في منطقة مضطربة.
وجاءت الخطوة في وقت استأنفت الولايات المتحدة وإيران الأعمال العدائية التي اندلعت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 شباط/فبراير، بينما كانت واشنطن تخوض مفاوضات مع طهران تطالب فيها بأن تسلّم الجمهورية الإسلامية مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب ووقف كل عمليات التخصيب.
وقالت وزارة الطاقة الأميركية إن وزير الطاقة كريس رايت ونظيره السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان وقّعا الاتفاقين.
وذكرت في بيان أن "هذين الاتفاقين يضعان معا الأساس القانوني لشراكة تمتد لعقود وتبلغ قيمتها مليارات الدولارات وتدفع قدما نحو تحقيق أهداف اقتصادية واستراتيجية عدة ذات أولوية، بما في ذلك منع الانتشار النووي".
وأكّد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الخميس إن الاتفاق لن يفضي إلا إلى برنامج نووي مدني وسلمي.
وقال روبيو، على هامش قمة لدول جنوب شرق آسيا في مانيلا، "يكفي القول إن أي اتفاق سنبرمه مع أي دولة في العالم بشأن الطاقة النووية المدنية سيتضمن ضمانات تكفل عدم إمكان تحويله إلى برنامج للأسلحة"، مضيفا أن "السعودية تسعى إلى امتلاك برنامج نووي سلمي ومدني".
ومن المتوقع أن تدرّ الصفقة مليارات الدولارات للشركات الأميركية، ويُنظر إليها على أنها انتصار لخصم إيران الإقليمي القديم، إذ تمنحها إمكانية الوصول إلى تكنولوجيا نووية دون تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
وترى أليسون مينور، مديرة مشروع التكامل في الشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلسي، أن واشنطن تُوجه تحذيرا لطهران في ظل تعثر المفاوضات، فيما تُكافئ حليفا رئيسيا بات متشككا في الضمانات الأمنية الأميركية عقب الحرب.
وقالت مينور إن "بإبقاء الباب مفتوحا أمام تخصيب اليورانيوم في السعودية، يوجّه الاتفاق النووي رسالة قوية لطهران".
وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال" أفادت بأن أحد بنود الاتفاق ينص على أن تبني شركات أميركية منشأة لتخصيب اليورانيوم في السعودية إذا خلصت دراسة مشتركة إلى أن ذلك مبرَّر.
غير أن بيان وزارة الطاقة الأميركية لم يشر إلى هذا البند، فيما امتنعت الوزارة عن التعليق عندما حاولت وكالة فرانس برس الاستفسار في شأنه.
وأبدى أعضاء في الكونغرس الأميركي من الحزبين، إضافة إلى مسؤولين إسرائيليين، معارضتهم لأي مشروع نووي مدني للسعودية، معربين عن خشيتهم من إمكان تحويله في نهاية المطاف إلى تصنيع أسلحة نووية.
وكتب السيناتور الأميركي اليساري بيرني ساندرز على منصة إكس "يدّعي ترامب أن حربه على إيران تهدف إلى منع دولة سلطوية من تخصيب الوقود النووي". وأضاف "والآن يسمح لأصدقائه المقربين في السعودية، إحدى أكثر الديكتاتوريات قسوة في العالم، بأن يفعلوا الأمر نفسه. هذا غير منطقي".
توترات إقليمية
يُتوقَع أن يُعرَض الاتفاق على الكونغرس خلال الأيام المقبلة، غير أن الموافقة عليه ليست شرطا للمضي قدما في تنفيذه.
ولطالما شددت السعودية على حقها في امتلاك الطاقة النووية لأغراض مدنية.
وعبّر بول ديكمان، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الجمعية النووية الأميركية، لفرانس برس عن ثقته من أن الصفقة لن تخلق "تحديات إضافية بشأن الانتشار النووي".
لكنه أصرّ على أهمية الشفافية، قائلا "أودّ أن أرى في بنود الاتفاقية كيف سيتم قياس هذه الشفافية".
وقال ماثيو كرونيغ من المجلس الأطلسي، قبل الإعلان الرسمي عن الصفقة، "سيكون من الخطأ السماح للسعودية بامتلاك القدرة على التخصيب".
وأضاف أن "من حق واشنطن تعزيز علاقتها مع الرياض، لكن لا ينبغي أن تفعل ذلك على حساب معاييرها الفعّالة لمنع انتشار الأسلحة النووية".
وفي السنوات الأخيرة، سعت واشنطن إلى دمج أي اتفاق نووي في استراتيجية أوسع، من شأنها أن تشمل تطبيع العلاقات مع إسرائيل وتوقيع اتفاق دفاعي.
وعام 2009، وقعت الولايات المتحدة اتفاقا نوويا مع الإمارات التي لا تقوم بتخصيب اليورانيوم.
وفي أيار، تعرّضت محطة براكة للطاقة النووية في الإمارات، وهي المنشأة الوحيدة من نوعها في العالم العربي، لهجوم بطائرة مسيّرة أصابت مولّدا كهربائيا، ما تسبّب في اندلاع حريق.
ونسبت الإمارات الهجوم إلى فصائل عراقية موالية لإيران.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار في نيسان وإبرام مذكرة تفاهم في حزيران، استأنفت الولايات المتحدة وإيران الأعمال العدائية في السابع من تموز/يوليو، ما أثار مخاوف في المنطقة، خصوصا في الخليج، من المزيد من زعزعة الاستقرار.
وفيما يتركز التصعيد الأخير على السيادة على مضيق هرمز، يُعدّ البرنامج النووي الإيراني من نقاط الخلاف الرئيسية بين واشنطن وطهران.
وتتهم واشنطن والدول الغربية إيران بالسعي إلى امتلاك قنبلة نووية، وهو ما تنفيه الأخيرة مع تأكيدها حقها في برنامج نووي سلمي.
ويخشى قادة سياسيون من أنه إذا قامت إيران بإنتاج سلاح نووي، فإنّ جيرانها في الخليج سيحذون حذوها، ما يؤدي إلى سباق تسلّح.
ويأتي ذلك في وقت هدّد المتمرّدون الحوثيون في اليمن المدعومون من طهران هذا الأسبوع، بتوسيع رقعة الحرب الشرق الأوسط، إذ أعلنوا أنهم سيفرضون حظر ملاحة بحرية على الموانئ السعودية.
وكانت السعودية والحوثيون تبادلوا إطلاق النار الأسبوع الماضي للمرة الأولى منذ سنوات، ما هدد الهدنة القائمة منذ العام 2022، إلا أن المتمردين ظلوا إلى حد كبير بمنأى عن الأحداث منذ شنت إسرائيل والولايات المتحدة الحرب على إيران نهاية شباط/فبراير الفائت.