عقد المؤتمر المسيحي الدائم الطاولة المستديرة الثالثة له في إطار سلسلة طاولات منوعة مع المرجعيات المسيحية السياسية والكنسية وأصحاب الإختصاص، حملت عنوان "أيّ خطاب عمل مسيحي مطلوب أمام تحدّيات اليوم؟" تحدّث خلال اللقاء كلّ من راعي أبرشية طرابلس المارونية سيادة المطران يوسف السويف، أستاذ الفلسفة السياسية عضو تجمّع "لبنانيون من أجل الكيان" الخوري البروفسور باسم الراعي، رئيس المجلس العام الماروني عضو المؤتمر المسيحي الدائم المهندس ميشال متى، أستاذ العلوم السياسية عضو تجمّع "لبنانيون من أجل الكيان" الدكتور إيليا إيليا، المديرة التربوية المتقاعدة عضو المؤتمر المسيحي الدائم المربّية كمال ساسين، ورئيسة الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة- لبنان الإعلامية ماغي مخلوف، بالإضافة إلى رئيس لابورا الأب طوني خضره الذي افتتح اللقاء وأداره. وشارك في اللقاء فعاليات إعلامية وأكاديمية وروحية واجتماعية، بالإضافة إلى عدد من أعضاء عائلة المؤتمر المسيحي الدائم من جمعيات ومؤسسات، بينها اتحاد أورا بجمعياته الأربع وتجمّع "لبنانيون من جل الكيان".
استُهلّ اللقاء بكلمة للأب خضره شرح فيها أهمية الطاولات المستديرة التي يتمّ عقدها كدعوة إلى التفكير الإستراتيجي بمستقبل لبنان وصيغته القائمة على التنوع والشراكة. وقال: "الوجع المسيحي واحد ولكن الخطاب ليس واحدًا لذلك لا بدّ من خطاب عمل يجمع المسيحيين على ثوابت تحفظ وجودهم ودورهم."
سيادة المطران يوسف سويف
ثمّ كانت كلمة لراعي أبرشية طرابلس المارونية سيادة المطران يوسف سويف قال فيها: "إنّ الخطاب الروحي المطلوب اليوم هو خطاب الرجاء، وهو رجاء المسيح القائم من الموت. فالمسيح هو مصدر الطمأنينة. الإستراتيجيات مهمة جدًّا ولكن أيّ استراتيجية لا ترتكز على السيّد المسيح محكومة الفشل. فلو كان لدينا قادة سياسيين يعيشون هذا الرجاء ويبنون أعمالهم على صخرة المسيح وعلى الإيمان لما وصلنا إلى هنا. وخطاب الرجاء المطلوب اليوم هو خطاب منفتح على الجميع ومرتكز على قيامة يسوع المسيح. نحن اليوم على مشارف تطويب البطريرك الحويّك نرى التراجع الديموغرافي الخطير، وهنا أدعو إلى أن نكون هجوميين بمعنى أن نكون رسلًا أقوياء للبشارة، ساعين إلى السلام وإلى دولة قوية يسودها القانون لا الشخص."
بعد ذلك تمّ عرض رؤية المؤتمر المسيحي الدائم لخطاب العمل المسيحي المطلوب في هذه المرحلة، في 5 ميادين أساسية هي: خطاب العمل الروحي، السياسي، الإجتماعي، التربوي، والإعلامي.
خطاب العمل الروحي
قدّم أستاذ الفلسفة السياسية الأب البروفسور باسم الراعي عضو تجمّع "لبنانيون من أجل الكيان" عرضًا للخطاب الروحي الذي يطمئن المسيحيين جاء فيه: " إذا كان من طبيعة الخطاب التأثير (روحيًا)، فهذا يعني أن مطلقه يعرف أنه مؤثر في مجريات الأمور. وهنا على ما أعتقد واحدة من مشاكل الخطاب الكنسي أن أصحاب هذا الخطاب كما نسمع من الكثير منهم يقولون إن الزمن قد تغيّر! لم يعد للكنيسة من تأثير كما كان لها في الماضي. والسؤال الذي يطرح: ما الذي تغيّر حقيقة؟ التاريخ يعطينا شواهد أنه عند الأزمات الكبرى، لا مرجعية للشعب المؤمن فوق الكنيسة. أعتقد أن الذي تغيّر هو ثقة الكنيسة بذاتها، وهذه الثقة تتأثر من جهة بصدقيتها كما يقول اللاهوت المعاصر، ومن جهة أخرى بوحدة الموقف فيها. الأمران مهمّان: الأول، يشير إلى طلاق مع الواقع، والثاني يكشف عن غياب رؤية.
كانت مجموعة من الكهنة، أطلقت على ذاتها إسم مجموعة وحدة ورؤية، قد جعلت من خطاب الكنيسة المارونية موضع اهتمام، فأطلقت نداءً في هذا الخصوص، أتبعته بمواقف أخرى، لكنّ بعضًا من السلطة الكنسية أقلقهم الأمر، من خلفية خوفهم الراعوي على الكهنة، قاموا بالمطلوب، مع أنه للمفارقة في التقرير الذي رفع إلى الكرسي الرسولي في بداية السينودوس الأخير عن السينودوسية في الكنيسة، تم تبني عناصر هذا النداء كاملة.
والسؤال الذي دار حوله اهتمامهم هو: ما المنتظر من الخطاب الكنسي فعلًا؟ فرأوا أنه إذا كان الخطاب الكنسي يبغي التأثير في الواقع، أي أن يؤدي إلى الفعل. فلا بد من أن تتوفر فيه عناصر ثلاثة، كانت أوراق مجموعة وحدة ورؤية قد تعمقت فيها، وهي: الأمانة لشريعة الحرية، "الوحدة المارونية"، والمقصود بها لا التوحيد، وإنما مواجهة التشرذم الماروني الذي جعل الموارنة بعدما كانوا أم الصبي يصيروا كما عبّرت ورقة وحدة ورؤية: "يدّعون الحرية قولًا وهم ذميون واقعًا وفعلًا"، بسبب طموحات ارتجالية أو تفردية. أما العنصر الثالث فهو "الرؤية التضامنية"، تفاديًا للارتجال، والتي تحتاج إلى تخطيط يتّبعه تدبير واضح، وهرميّة تنفيذ مفصّلة، وفرق عمل متخصّصة وإنشاء مؤسّسات يكون لها أفق أوسع من المؤسّسات الكنسيّة العاملة، تحاكي شروط العمل مع المؤسّسات الدوليّة، وتنسيق عمل مختلف المؤسّسات المارونيّة، في الداخل وفي الانتشار، من أجل إنتاجيّة أكبر وفعاليّة أجدى."
الخطاب السياسي
قدّم الخطاب السياسي المطلوب اليوم مسيحيًّا الباحث والأستاذ في العلوم السياسية الدكتور إيليا إيليا عضو تجمّع "لبنانيون من اجل الكيان"، فقال: " تنطلق هذه الورقة من فرضية رئيسة مفادها أ ن البحث في مستقبل المسيحيين في لبنان لا ينبغي أن يقتصر على مناقشة شكل النظام السياسي أو الضمانات الدستورية، بل يجب أن يسبق ذلك إعادة النظر في الخطاب السياسي الذي يصوغ الرؤية الوطنية ويحدد وظيفة المسيحيين في الدولة اللبنانية .
إنّ الأزمة الراهنة ليست أزمة نظام حكم فحسب، بل هي أيضًا أزمة خطاب سياسي انتقل تدريجيًّا من منطق المبادرة إلى منطق الدفاع، ومن صناعة المشروع الوطني إلى البحث عن الضمانات. ومن هنا، تدعو إلى الانتقال من "خطاب اُّلحماية" إلى "خطاب اُّلدور" باعتباره خطابًا يعيد تعريف الوظيفة الوطنية للمسيحيين بوصفهم شركاء في إعادة بناء الدولة اللبنانية، لامجرد جماعة تسعى إلى حماية خصوصيتها .
أقترح أن يرتكز الخطاب السياسي الجديد على خمسة تحولات أساسية: الانتقال من الخوف إلى الثقة، ومن الطائفة إلى الدولة، ومن المطالبة بالحقوق إلى تحمل المسؤولية، ومن رد الفعل إلى المبادرة، ومن استحضار الماضي إلى صناعة المستقبل .
وانطلاقًا من هذا الخطاب، ترى الورقة أن نظام الحكم القادر على حماية المسيحيين وسائر اللبنانيين هو النظام الذي يقوم على دولة سيدة، ومؤسسات دستورية فاعلة، واستقلال القضاء، واللامركزية الإدارية والإنمائية، والإدارة الكفوءة، وقانون انتخابي يعزز المواطنة ويطور الحياة السياسية .إن مستقبل المسيحيين في لبنان لا يرتبط بتعديل موازين القوى بقدر ما يرتبط بتجديد دورهم التاريخي في إنتاج الدولة، بما يعيد الاعتبار إلى رسالتهم الوطنية وإلى فكرة لبنان بوصفه دولة حرية وشراكة وسيادة."
الخطاب الإجتماعي
بدوره تولّى رئيس المجلس العام الماروني المهندس ميشال متّى عرض خطاب العمل الإجتماعي المسيحي الذي تتطلّبه المرحلة وقال: "حين نتحدّث عن الخطاب المسيحي فإنّنا لا نقصد خطابًا إنعزاليًّا ولا خطابًا يقوم على الخوف أو استحضار الهواجس، بل خطابًا ينطلق من رسالة المسيحيين التاريخية في لبنان، ومن دورهم في بناء الدولة والدفاع عن الحرّيّات وترسيخ ثقافة العمل المشترك والمساهمة في نهضة هذا الوطن.
لذلك فإنّ الخطاب المطلوب اليوم يقوم على 5 مرتكزات اساسيّة: خطاب روحي يزرع الرجاء ويدعو إلى استمرار الكنيسة في مرافقة الإنسان اللبناني، خطاب عمل سياسي داعم لقيام الدولة القوية العادلة السيدة التي تحتكر وحدها القرار الأمني والعسكري وتؤمن المساواة بين جميع أبنائها. أمّا خطاب التنمية والعدالة الإجتماعية فيجب أن يولي اهتمامًا كبيرًا بالهجرة التي تستنزف شبابنا وتهدّد مستقبل لبنان، من خلال المساهمة في إيجاد فرص عمل، ودعم المبادرات الإقتصادية، وتشجيع الإستثمار في المناطق والحفاظ على الإنسان في أرضه. أمّا الخطاب التربوي والثقافي فيجب أن يتولّى الدفاع عن جودة التعليم وعن المدرسة الخاصة كما الرسمية، وعن حق كل طفل في تعليم يفتح له أبواب المستقبل ويرسّخ ثقافة السلام والمواطنة.
والخطاب الإعلامي يجب أن يكون صانعًا للوعي لا للخوف، يجمع ولا يفرق، ويقدّم الحقيقة بمسؤوليّة بعيدًا عن التحريض والإنقسام."
الخطاب التربوي
أمّا الخطاب التربوي فقدّمته المديرة المتقاعدة منسّقة لجنة التربية في المؤتمر المسيحي الدائم المربّية كمال ساسين وتضمّن عرضًا لتاريخ التعليم في لبنان وصولاً إلى الأزمة اليوم حيث "أصبح التعليم الجيد حكراً على الطبقة الميسورة تراجع مستواه، و ذلك لعدة اسباب نذكر منها: التأخر في تحديث المناهج، ارتفاع كلفة التعليم بالطرق الحديثة التي تتطلب تقنيات و تجهيزات باهظة الاثمان، ارتفاع الاقساط في القطاع الخاص وانعدام الثقة بالتعليم الرسمي و الجامعة اللبنانية، تدني رواتب الهيئة التعليمية في القطاعين العام و الخاص مما أدى إلى فقدان نسبة كبيرة من الكفاءات، ناهيك عن تشتت الطلاب بسبب الوضع الأمني و وسائل التواصل الاجتماعي. وانعكاسات ذلك هي: هجرة الأباء سعياً لتأمين الاقساط و الاولاد في ما بعد إلى بلدان جامعاتها مجانية، بيع الأراضي أحياناً لتأمين التعليم، والاحجام عن زيادة عدد الاولاد في الأسر المسيحية تفادياً لتدني المستوى المعيشي، مما أدّى إلى تغيير ديموغرافي على الصعيد الوطني. من هنا نطلق صرخة نأمل أن لا تعتبر اتهاماً أو تقليلاً من دور و أهمية القطاع التربوي الخاص و لكن هدفها قائم على مبدأ العدالة الاجتماعية و توفير تكافؤ الفرص التعليمية لجميع الفئات المجتمعية.
أما مقترحات الحلول فهي: على صعيد التعليم الخاص: اتباع المؤسسات التربوية الخاصة سياسة تقليص الأرباح وتأمين حسومات تدريجية على الأقساط كلما إزداد عدد الأولاد في العائلة الواحدة، رصد قطعة أرض من الأوقاف للاستثمار من قبل أرباب عائلات لديهم خمسة أولاد و ما فوق مثلاً. وعلى صعيد التعليم العام: تضافر الجهود لإعادة الثقة بالتعليم الرسمي الأكاديمي والمهني والجامعي، و إزالة النظرة الدونية لهذا القطاع السائدة خاصة في المجتمع المسيحي، تفعيل المادتين ٤٩-٥٠ من قانون البلديات المخصصة لدعم المدرسة الرسمية في إطارها الجغرافي، والسعي من قبل السياسيين وخاصة نواب المناطق المسيحية للاطلاع على حاجات ومطالب المدارس والثانويات والمهنيات الرسمية وفروع الجامعة اللبنانية في هذه المناطق ومتابعتها لدى وزارة التربية وذلك انطلاقاً من مبدأ الإنماء المتوازن. كما يجب السعي من قبل السياسيين لإنشاء جامعة لبنانية بكامل فروعها في المناطق المسيحية أنطلاقاً أيضاً من مبدأ الإنماء المتوازن، ورفع اليد السياسية عن التدخل في المناقلات والتعيينات."
الخطاب الإعلامي
أمّا الخطاب الإعلامي فقدّمته رئيسة الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة- لبنان (أوسيب لبنان) الإعلامية ماغي مخلوف وقالت فيه: "التحدي الأكبر هو غياب التنسيق بين المؤسسات الإعلامية عند القضايا المصيرية. هنا يبرز مفهوم التسويق الإعلامي للقضية، لا للمؤسسة عبر الاتفاق على أولويات وطنية ومقاربة إعلامية مشتركة عند الحاجة، بالإضافة إلى إنشاء مجلس تنسيق إعلامي يضع ملفات مشتركة ويقترح حملات منسّقة عند الضرورة مع احترام استقلالية كل وسيلة إعلامية، الإستثمار في الإعلام الرقمي، الانتقال من ردّ الفعل إلى صناعة المبادرة، ليصير الإعلام شريكاً فاعلاً في حماية الحقيقة، وتعزيز ثقافة المواطنة، وترسيخ الشراكة، بعيداً عن الانقسام.
وفي ما يتعلّق بالإعلام وصناعة السلام، فالمطلوب ليس سلامًا على حساب الحقوق، بل سلام عادل ومستدام، يعزز سيادة الدولة ويحترم كرامة جميع اللبنانيين. لذلك يجب التخفيف خطاب الكراهية، من خلال إبراز النماذج الناجحة للتعاون وإعطاء مساحة للمبادرات الشبابية التي تجمع ولا تفرّق. وعبر ذلك يصبح الإعلام جسراً بين المكونات، لا متراساً بينها، فيؤدي رسالته الوطنية والإنسانية بأسمى معانيها."
ثمّ كان نقاش بين المتكلّمين والحضور، تمّ خلاله الرد على الإستفسارات وتقديم اقتراحات جديدة أفضت إلى مقرّرات ابقى المجتمعون لقاءاتهم مفتوحة لمتابعة تنفيذها.