مايا خوري

لقاء عون – ترامب… هل بدأت رحلة لبنان من «الساحة» إلى الدولة؟

4 دقائق للقراءة
رويترز

في السياسة، لا تُقاس أهمية اللقاءات فقط بما يُقال خلف الأبواب المغلقة، بل أحيانًا بتوقيتها، وبالصورة التي ترسمها، وبالرسائل التي تحملها إلى الداخل والخارج

ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن قراءة لقاء رئيس الجمهورية جوزاف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب.

فاللقاء يأتي في لحظة تتغير فيها المنطقة بسرعة، وتُعاد فيها صياغة التوازنات والمعادلات، فيما يقف لبنان أمام خيار لم يعد يحتمل الكثير من التأجيل: إما أن يبقى مساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين، وإما أن يستعيد موقعه الطبيعي كدولة صاحبة قرار وسيادة ومؤسسات.

لسنوات طويلة، كان السؤال اللبناني يدور حول كيفية إدارة الأزمات

كيف نتجنب الحرب؟

كيف نحافظ على الهدوء؟

كيف نمنع الانهيار؟

وكيف نؤجل الانفجار المقبل؟

لكن ربما حان الوقت لطرح سؤال مختلف: لماذا لا نُنهي أسباب الأزمات بدل الاكتفاء بإدارتها؟

من هنا، تتجاوز أهمية لقاء عون – ترامب العلاقات الثنائية التقليدية بين بيروت وواشنطن. فالمسألة اليوم ترتبط بشكل لبنان الذي نريد أن نراه في المرحلة المقبلة، وبالدور الذي يمكن للمجتمع الدولي أن يؤديه لمساعدة الدولة اللبنانية على استعادة كامل حضورها على أرضها وفي قرارها.

لبنان لا يحتاج فقط إلى وقف لإطلاق النار، بل إلى استقرار دائم.

ولا يحتاج فقط إلى مساعدات لإعادة بناء ما تهدّم، بل إلى ضمانات تمنع تكرار الدمار.

ولا يحتاج إلى هدنة تؤجل الحرب المقبلة، بل إلى مسار سياسي يعيد إليه حقه الطبيعي في أن يعيش كأي دولة مستقرة في العالم.

وهنا تبدأ القضية الأكثر حساسية: قرار الحرب والسلم

في أي دولة طبيعية، لا يمكن أن يكون هذا القرار موزعًا بين أكثر من مرجعية، كما لا يمكن للسيادة أن تكتمل ما لم تكن المؤسسات الدستورية وحدها صاحبة القرار، والجيش الشرعي وحده المسؤول عن حماية الأرض والحدود.

هذه ليست معركة بين مكونات لبنانية، ولا دعوة إلى إقصاء فريق أو شطب حضور سياسي

إنها ببساطة دعوة إلى العودة إلى الدولة.

إلى دولة يتساوى فيها الجميع تحت سقف الدستور.

دولة تستطيع أن تطلب من العالم احترام سيادتها لأنها أولًا تحترم سيادتها من الداخل.

وفي المقابل، فإن المجتمع الدولي، والولايات المتحدة تحديدًا، يتحمل مسؤولية المساعدة في استكمال هذه المعادلة عبر الضغط من أجل انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية واحترام سيادة لبنان وحدوده

فالسيادة لا يمكن أن تكون انتقائية

لا سلاح خارج سلطة الدولة، ولا أرض لبنانية خارج سلطة الدولة

وبين هذين العنوانين يمكن أن تولد معادلة لبنانية جديدة، لا تقوم على توازن الخوف، بل على قوة الدولة

وهنا تحديدًا قد تكمن الفرصة التي يحملها لقاء عون – ترامب

فالمرحلة المقبلة لا يجب أن تكون مرحلة البحث عن المنتصر والمهزوم داخل لبنان. لأن انتصار فريق على آخر لن يبني وطنًا، بينما انتصار الدولة وحده يمكن أن يكون انتصارًا لجميع اللبنانيين

أن تنتصر الدولة يعني أن يشعر اللبناني في الجنوب كما في الشمال والجبل والبقاع أن جيشه يحميه

أن تنتصر الدولة يعني ألا ينتظر اللبنانيون كل بضعة أشهر لمعرفة ما إذا كانوا ذاهبين إلى حرب جديدة

أن تنتصر الدولة يعني أن يعود المستثمر من دون خوف، والسائح من دون تردد، والمغترب من دون قلق، وأن يجد الشاب اللبناني سببًا للبقاء بدل البحث عن أول فرصة للهجرة

هذه هي المعركة الحقيقية التي تنتظر لبنان

ليست معركة سلاح فقط، بل معركة اقتصاد ومستقبل وهوية وطنية

ولذلك، فإن الصورة القادمة من البيت الأبيض يجب ألا تبقى مجرد صورة

المطلوب أن تتحول إلى مسار

مسار يعيد تثبيت لبنان على الخريطة الدولية، ويؤمن الدعم لجيشه ومؤسساته، ويساعده على استكمال سيادته، ويفتح أمامه أبواب الاستقرار والنهوض الاقتصادي

لكن القرار الأول يبقى لبنانيًا

فالعالم يستطيع أن يساعد لبنان، لكنه لا يستطيع أن يقرر عنه أن يصبح دولة

هذه مسؤولية اللبنانيين

وربما تكون الفرصة التاريخية اليوم في أن يدرك الجميع أن زمن المعادلات الموقتة يقترب من نهايته، وأن حماية لبنان لا تكون بإبقائه على حافة الحرب، بل بإعادته إلى حضن دولته

لقاء عون – ترامب قد يكون بداية مرحلة

لكن نجاحها لن يُقاس بعدد البيانات أو الصور أو الوعود

سيُقاس بيوم يصبح فيه قرار لبنان لبنانيًا بالكامل

يوم لا يكون فيه لبنان ساحة لتصفية الحسابات، ولا ورقة على طاولة المفاوضات، ولا جبهة في حرب الآخرين

بل دولة طبيعية، سيدة، مستقلة، مستقرة وعندها فقط يمكن القول إن لبنان لم يعد ينتظر المستقبل بل بدأ يصنعه