"إعدلوا هو أقرب للتقوى"
جاء في القرآن الكريم في الآية الثامنة من سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون).
وقد أجمعت تفاسير هذه الآية الكريمة على أنّها تحمل خطاباً للمؤمنين بأن لا يحملنكم عداوة قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم ، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة .
وهذه الآية تنطبق على ما نزلت فيه من مناسبة، وعلى عموم الخطاب للمؤمنين بأن لا يجعلوا الكراهية لفئة أو جماعة سبباً للتعصّب وعدم الإنصاف والعدل معهم، وهذا ينطبق اليوم على شريحة تريد أن تُحكِّمَ البغضاء السياسية أو الطائفية أو الشخصية أو المصلحية، في قضية العفو العام، وما يجري فيها من تطورات، عاد فيها البعض لاستخدام الاصطفافات الشائعة خلال الحرب الأهلية، المختلطة بحرب الآخرين على أرضنا، وتنزيل الحدود المصطنعة التي فرضتها الاحتلالات الإسرائيلية والسورية والإيرانية على اللبنانيين، والتصنيفات التي فرضتها على الشعب ورسّختها في وسائل الإعلام، وفي الدولة العميقة.
من ذلك ما يريد البعض تصويره كأنّ القوات اللبنانية كانت وحدها التي شاركت في الحرب، بينما جرى التطبيع مع سائر الميليشيات، من الحزب التقدمي الاشتراكي إلى حركة أمل والمردة وهناك من استغفل اللبنانيين فاعتبر أنّ ميشال عون كان قائداً للجيش، ولم يمارس جرائم الميليشيات، وهذا تركيبٌ عملت على ترسيخه منظومات الاحتلال التي أكملها "حزب الله" بعد انسحاب الجيش الأسدي من لبنان.
مناسبة هذه المقاربة ما يجري في ملف العفو العام.
الظلم الفادح واستحالة العدالة
الأساس في هذه المسألة أنّ العدالة مفقودة، ولو أنّها موجودة لما احتاج أحد إلى العفو العام الذي يصدر لعلاج العور والظلم الذي سبّبه غياب العدالة، وقد شهدنا فصولاً طويلة طويلة طويلة من الظلم الوقح الذي لم يستح مرتكبوه من جرائمهم، فتحوّل قضاة القمع إلى نجوم على الشاشات وفي رقابهم مئات المظالم تطوِّق رقابهم بأثقالها.
لذلك، جاء العفو العام كآخر الدواء، وهذا يعني بشكل أساس الموقوفين الذين يطلق عليهم الإسلاميين، وقد أثبتت الوقائع أنّ الغالبية الساحقة منهم تعرّضت للإجحاف وتركيب الملفات ومئات منهم قضوا ما يزيد عن العشر سنوات وخرجوا أبرياء، أو لبثوا في السجن بدون محاكمات.. بينما شكّلت معركة عبرا النموذج الأوقح لتدخل "حزب الله" في المواجهة، بشهادة النائبة السابقة بهية الحريري، وبإثبات مقتل قياديين وعناصر منه في تلك المعركة التي أطلق فيها الرصاصة الأولى ضدّ الجيش وضدّ جماعة الشيخ أحمد الأسير.
يتحدث إعلام الممانعة عن الموقوفين الإسلاميين باعتبارهم مجرمين ضدّ الإنسانية، بينما يتجاهل هذا الإعلام جرائم حزب إيران ضدّ الجيش من اغتيال الضابط الشهيد سامر حنا، إلى انفلات بيئة المخدِّرات في البقاع ضدّ الجيش وقتل العشرات من الضباط والعناصر من المؤسسة العسكرية، بينما يضع تحالف بري – "حزب الله" – التيار الوطني الحر والياس أبو صعب الألغام والعراقيل والأفخاخ في كلّ نصوص العفو التي يجري تداولها، وكأنّ قتل العسكريين ليس جريمة إذا وقع على أيدي تجار الممنوعات في البقاع.
تضحيات السنة في الجيش هي الأعلى
والأسوأ في كلّ هذا أنّ هناك من يتجاهل أنّ نسبة السنة في الجيش ترتفع إلى مستوى أن تكون رافده الكبير وأنّ نسبة الشهداء السنة في مواجهة التطرف والإرهاب، كما هو الحال في معارك نهر البارد هي نسبة غالبة كاسحة، فكيف يتجرّأ الحاقدون على وصم السنة بالإرهاب أو على لوم الرأي العام السني على مطالبته بالعدالة لأبنائه الواقعين في براثن قضاء عسكري لا يتسم بالمهنية، باعتبار القضاة من غير أهل الاختصاص، كما أنّ أغلبه وقع في قبضة "حزب الله" واعتمد تعريفه للإرهاب، فتحوّل إلى أداة اضطهاد مارست ظلمها عقوداً سوداء طويلة، دفع ثمنها مئات الشباب من حياتهم وحياة عائلات المحطمة والمدمَّرة.. ويكفي الإشارة إلى أنّ قرابة 200 من الذين جرى توقيفهم في معارك مخيم نهر البارد خرجوا أبرياء بعد أن قضوا ما يزيد عن العشر سنوات في غياهب السجون..
دعم الجيش ودعم العدالة للإسلاميين متلازمان
لا يمكن الفصل بين دعم السنة للدولة والجيش وبين الدعم السني لقضية الموقوفين ظلماً من الإسلاميين، فكلاهما متلازمان ولا يجوز فصلهمها، لأنّ الغاية في المسألتين الاستمرار في دعم الدولة وتحقيق العدالة، فقد سقطت مرحلة تغطية الاعتداء على السنة بترخيص ممن كانوا يتولون السلطة باسمهم، مع التذكير بأنّ الشعار الأكثر شيوعاً على لسان الشيخ أحمد الأسير كان دعوته لأن يكون الجيش اللبناني هو الوحيد صاحب السلطة الأمنية الشرعية في البلد.
إذاً. العفو العام بات ضرورة ملزِمة، خاصة أنّ كلّ محاولات تحقيق العدالة قد سقطت بسبب الأمر الواقع، الذي وصل إلى حدود قيام وفيق صفا بتهديد المحقق العدلي طارق البيطار بـ"قبعه" من قصر العدل، وليس أدلّ على ذلك من إنشاء محكمة في سجن رومية كلّفت بضعة ملايين من الدولارات، ولم تشهد سوى جلسة منقوصة يتيمة، ولم تُستخدم بعدها أبداً.
والعفو العام يستلزم توافقاً ستستفيد منه شرائح لا تستحق الرحمة، مثل تجار المخدِّرات وغيرهم من أصحاب الجرائم الثقيلة من قتل وإرهاب كان محمياً باسم "المقاومة"، بالإضافة إلى حلّ مسألة "المبعدين قسراً" الذين يتهمهم "حزب الله" بالعمالة، كما أنّه بحاجة إلى توافقات توفر الغطاء النيابي للتسوية المنتظرة.
من أهمّ ما أنجزه انضمام القوات اللبنانية إلى المطالبة بالعفو العام ليشمل الموقوفين الإسلاميين، وبينهم الشيخ أحمد الأسير ورفاقه، هو حصول هذه القضية على الصفة الوطنية، فلم تعد قضية إسلامية أو سنية، بل باتت قضية وطنية، وهذه هي الخطوة الأولى الصحيحة للوصول إلى عفو عام عادل ومتوازن.
هكذا فخّخ بري الجلسة والعفو
ومن أخطر عمليات تفخيخ العفو العام، ما فعله بري وأبو صعب عندما وضعا في رأس جدول أعمل جلسة الهيئة العام الأخيرة مشروع قانون إلغاء عقوبة الإعدام، بينما وضعوا قانون العفو العام في كعب الجدول، وهذا ما جعل الترابط بينما أمراً لا مفرّ منه، لأنّ إصدار قانون إلغاء الإعدام بدون الضوابط المشدّدة، سيعني رخصة بالقتل وتشجيعاً للجريمة، كما أنّه إذا جرى تمريره قبل قانون العام، سيقيّد ويمنع شريحة هامة من الموقوفين من الإفادة منه. ولو أنّ نوايا بري والحزب" وحلفائهما كانت صادقة، لكان جرى تقديم العفو العام وإقراره، ثم عرض قانون إلغاء عقوبة الإعدام، لمنحه ما يستحق من تحصين حتى لا يصدر بصيغة تشجِّع على الجريمة.
لكنّ تحالف الممانعة، والتيار الوطني الحر ضمنه، أصرّ على وضع العقدة في طريق العفو العام، بذرائع متعدِّدة، أسوؤها التحكّم بجدول الأعمال وابتزاز النواب الحريصين على التوازن التشريعي.
هكذا خرّب النواب السنة "الخوارج" العفو
التقت أغلبية النواب السنة مع رئيس الحكومة نواف سلام على صيغة تكفل العدالة في قانون العفو وتتضمّن: إخلاء سبيل الموقوفين الذين أمضوا أكثر من 12 عاماً في السجن فوراً مع استمرار محاكمتهم من خارج السجن. وإلغاء البند الذي يشترط إسقاط الحق الشخصي للاستفادة من القانون. وشمول المحكومين الإسلاميين بقرار استبدال عقوبة الإعدام بالسجن المؤبد، وإلغاء صفة "المشدد" التي قد تحرمهم من هذا التعديل إذا كان قانون إلغاء عقوبة الإعدام سيجري إقراره قبل قانون العام.
رفض تحالف الممانعة الصيغة التي التقى عليها النواب السنة مع رئيس مجلس الوزراء، ورغم ذلك، خرق عدد من النواب السنة توجه الأغلبية وشارك في جلسة الانقلاب على العفو العام، وقد حاول هؤلاء تبرير فعلتهم هذه بأنّهم اجتهدوا وحاولوا التعديل من الداخل، وكأنّهم يريدون إقناع الرأي العام بأنّ قدراتهم التشريعية الفذّة كافية لدفع بري وحلفائه نحو تغيير موقفهم، وهو الأمر الذي لم يحصل طبعاً.
وبدل أن يعترف هؤلاء النواب (النوائب) بالخطأ ويرجعوا عنه، أمعنوا في التبرير التضليلي، فحوّلوا المعركة ضدّ القوات اللبنانية، محاولين حرف الحقائق ليحولوا أنفسهم إلى "ضحايا التسلّط القواتي"، لكنّهم كشفوا أنفسهم بأنّهم ليسوا سوى أدوات بيد المحور الإيراني، بدليل أنّ صحافته الصفراء استغلت موقفهم لمحاولة إحداث الشرخ بين القوات والشارع السني، وبذلك يذهب هؤلاء "النوائب" بعيداً في ضرب العفو العام وفي خدمة الثنائي الشيعي وحلفائه العنصريين.
لقد سقط هؤلاء النواب في الامتحان، وسقطت محاولتهم اللعب على الغرائز الطائفية والعودة إلى نبش القبور، فقد سبقهم في الفشل أولياؤهم: بري، نصرالله، وسائر جوقة الأقليات، والجميع يعلم أنّ السنة بحاجة إلى حليف مسيحي قوي في الحياة السياسية، وقد أثبتت القوات نبذها لحلف الأقليات ودعمها للثورة السورية ومراعاتها لموجبات التحالف مع السنة ومع العالم العربي من منطلقات لبنانية، مع وجود نقاط خلاف لا يمكن تجاهلها في ملفات ومسارات سياسية معينة، لكنّ الرؤية العامة لدى القوات هي الأقرب إلى الواقع السني والعربي.
"حزب الله": الدواعش لا أحمد الأسير
أمّا أيتام التيارات الفاشلة وبقايا التجمعات القومجية والساعون لمصالحهم الخاصة، ومن لديه مشاكل شخصية يريد عكسها في السياسة، فإنّهم يمضون في إسقاط سلوكياتهم هذه على الشأن العام، محاولين شيطنة القوات وكل من يتعاون معها في سبيل قضية العفو العام، ولنذكر هنا بالاصطفاف الأساس: رئاسة الحكومة، دار الفتوى، أغلبية النواب السنة، شباب الشيخ أحمد الأسير والمحامون والناشطون العاملون على الملف، وأكثرية الرأي العام السني، مقابل النواب الخوارج الذين ارتضوا لأنفسهم دور "حمار طروادة" لتخريب هذا المسار بالتحالف مع محور الممانعة المحلي، لابسين صفة "الخوارج" بامتياز.
ومما يزيد في الشبهات حول هؤلاء النواب قبولهم بصيغة يروِّج لها "حزب الله" تقضي بإطلاق سراح سجناء محسوبين على أنّهم "دواعش" في نظر الحزب، بينما يجري العمل على محاصرة إنقاذ الشيخ أحمد الأسير ورفاقه المظلومين..
في الخلاصة:
- إنّ العفو العام هو بالأساس قرار سياسي، يجري وضع التطبيق القانوني له في ضوء مقاصده السياسية، لذلك، فإنّ الإغراق في التفاصيل القانونية، كما فعل ويفعل الياس أبو صعب ومن وراءه، ليس سوى تلاعب خبيث هدفه إفشال مقاصد العفو العام.
- في ضوءا التحولات السياسية، المحلية والإقليمية، فإنّ النواب السنة متعاونين مع رئاسة الحكومة ودار الفتوى، لديهم ما يمكن اعتباره حقّ النقض، ولا يمكن تمرير أي تشريع بدونهم، لذلك عليهم العودة إلى الاجتماع تحت سقف هدف واحد: عفو عام لا يستثني أحداً وخاصة الشيخ أحمد الأسير، تحت طائلة المقاطعة الحاسمة، ومن يستمرّ في الخروج على هذا الالتفاف القائم حول المؤسسات الدستورية والشرعية والدينية، فإنّه يضع نفسه في صفوف محاربي العدالة، وسيلاقي حسابه قريباً.
- إنّ الحملة على القوات اللبنانية في ملف العفو العام هي حملة كراهية سياسية وعنصرية، هدفها إفشال الوصول إلى تسوية سياسية عادلة.
من ملف إسلامي إلى قضية وطنية
إنّ العفو العام اليوم، هو تكفير عن خطايا هذه الدولة وعن سكوت الساكتين عن الظلم، وفيه شيء من التضامن مع الضحايا بعد طول اضطهاد.. كما أنّه وسيلة لطيّ هذه الصفحة السوداء من مسيرة وطنٍ لن يعرف الاستقرار إلاّ بالعدالة.
في ضوء ما تقدّم، نعتقد أنّه آن الأوان للانتقال بملف العفو من حالة إسلامية سنية، إلى حالة وطنية، تستقطب الساعين إلى العدالة والاستقرار
ندعو الوزراء والنواب السابقين: سمير الجسر وأحمد فتفت ورشيد درباس ومصطفى علوش وفارس سعيد، وندعو حزب القوات اللبنانية وحزب الكتائب ونقباء المحامين السابقين ونقيب المحامين في طرابلس والشمال مروان ضاهر والشخصيات إلى تشكيل فريق إسناد للعدالة، بحكم مواقعهم وخبراتهم ومواقفهم المتوازنة والشجاعة في القضايا المصيرية وفي ضوء قدرتهم على تقدير الموقف وحياكة المخارج، بالتعاون مع رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام، وصولاً إلى تسوية عادلة يمكن التوصل إليها في مجلس النواب.