بشارة جرجس

أقدم معادلة في لبنان: هكذا تُغتال فرص الدولة

6 دقائق للقراءة
زوطر الغربية (رويترز)

في زوطر الغربية، يُطلب من العلم اللبناني أن يؤدي دوراً نادراً ما أُتيح له أن يؤديه: أن يصل قبل حجّة الميليشيا. تنسحب وحدة إسرائيلية، ويدخل الجيش اللبناني، ويبدأ إطار دبلوماسي باكتساب معنى فعلي على الأرض. وفي لبنان، هنا تحديداً يبدأ الخطر: لا حين تكون الدولة غائبة، بل حين تبدأ بإثبات أن عودتها ممكنة.

من ياسر عرفات إلى سوريا حافظ وبشار الأسد، ومن إيران الثورة الاسلامية وحزب الله، مارس لاعبون مختلفون الحرفة نفسها على الأرض اللبنانية: تخريب كل نافذة قد تستعيد الدولة عبرها سلطتها، أو يستعيد اللبنانيون استقرارهم. وهم يسمّون هذه العقيدة بلغتهم السياسية: «قلب المعادلات وفرض معادلات جديدة». تبدو العبارة استعراضاً للقوة الاستراتيجية، لكنها حملت في التاريخ اللبناني معنى بالغ البساطة والوحشية: حطّم التوازن الناشئ قبل أن يترسّخ في مؤسسة، افتعل أزمة، ثم افرض نفسك بوصفك القوة الوحيدة القادرة على إدارة الأزمة التي أسهمت في صنعها.

السجل ليس نظرياً. في آذار 1978، أعقب عملية الطريق الساحلي التي نفّذتها «فتح» انطلاقاً من لبنان، وبعد ثلاثة أيام فقط، اجتياح إسرائيل في «عملية الليطاني». وفي 14 أيلول 1982، اغتال حبيب الشرتوني، العضو في الحزب السوري القومي الاجتماعي الموالي لدمشق، الرئيس المنتخب بشير الجميل بعد 22 يوماً فقط من انتخابه. وفي 22 تشرين الثاني 1989، اغتيل رينيه معوّض بسيارة مفخخة بعد 17 يوماً فقط من تولّيه الرئاسة، فأُزيح الرئيس الذي أُنيط به تحويل تسوية الطائف إلى دولة مستعادة. والأثر السياسي كان واضحاً: قُطع رأس النظام الجديد قبل أن يتمكن من الترسّخ. وفي 14 شباط 2005، اغتيل رفيق الحريري في التفجير الذي انتهت المحكمة الخاصة بلبنان إلى إدانة ثلاثة من أعضاء حزب الله بارتكابه، بينهم سليم عياش. وفي 12 تموز 2006، بعد أكثر بقليل من عام على الانسحاب السوري، أدّت عملية حزب الله عبر الحدود إلى اندلاع حرب دمّرت لبنان وأعادت قراره الاستراتيجي إلى ساحة المعركة. وفي 2 آذار 2026، فتحت صواريخ حزب الله الباب مجدداً أمام الحملة الإسرائيلية والتقدّم البري الذي لا تزال مواقعه قائمة على الأراضي اللبنانية حتى اليوم.

اختلف الفاعلون والظروف، أما النتيجة السياسية فبقيت واحدة. كلما اقترب لبنان من استعادة قراره السيادي، أعاد فعل مسلح هذا القرار إلى أيدي من يسيطرون على الميدان.

ذلك هو الخطر الذي يواجه اليوم إطار 26 حزيران. إذا أرادت طهران وحزب الله نسف الاتفاق، فهما لا يحتاجان إلى مواجهة الجيش اللبناني في فرون أو صريفا أو زوطر الغربية. فالصدام المباشر سيفضح ما حاول حزب الله دائماً إخفاءه: أن السلاح الذي جرى تسويقه باعتباره حماية للبنان يمكن، في نهاية المطاف، أن يُوجَّه ضد جيش لبنان الوطني.

أما التخريب الأذكى، فلا يحتاج إلى أي مواجهة. يكفي إطلاق صاروخ واحد من دون راية ومن دون قيادة معلنة تتبنّاه. عندها تستطيع إسرائيل استخدامه ذريعة لضرب ما وراء خطوطها الحالية، وتجميد الانسحابات اللاحقة، وتأجيل تسليم المزيد من الأراضي. يبقى الأهالي المهجّرون خارج قراهم، ويتوقف الإعمار قبل أن يبدأ، ويُعلَن فشل تجربة الدولة.

وعندها يُكتب الخطاب المُحَضَّر سابقاً بين طهران وحزب الله: "لقد حذّرناكم. إسرائيل لم تكن تنوي الانسحاب. مسار الدولة لا يحمي أحداً. وحدها المقاومة وسلاحها يقفان بين لبنان والاحتلال الدائم." هذه هي معادلة حزب الله الأكثر فاعلية: صناعة الظرف الذي يحفظ حجّة وجوده. السلاح يصنع الخطر، ثم يقدّم نفسه بوصفه الحماية الوحيدة للبنان من ذلك الخطر.

وسيصل المدى السياسي للصاروخ نفسه إلى واشنطن. فالمساعدة الأميركية للجيش اللبناني لم تعد تُعامل بوصفها تعبيراً عن حسن النية. الكونغرس يحوّلها إلى عقد مشروط بالأداء. والصيغة الدفاعية للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ للسنة المالية 2027 تنص على تخصيص 36 مليون دولار للجيش اللبناني، شرط أن يُظهر استعداداً لمواجهة حزب الله ونزع سلاحه. كذلك جرى تبرير الحزمة الأمنية الأوسع التي أُقرّت عام 2025، والبالغة 230 مليون دولار، منها 190 مليوناً للجيش و40 مليوناً لقوى الأمن الداخلي، باعتبارها استثماراً في قدرة الدولة على تفكيك البنية العسكرية للتنظيمات الخارجة عنها.

إذا انهارت المناطق التجريبية وبدا الجيش عاجزاً عن منع تجدد إطلاق الصواريخ، فستكتب الحجة ضد المساعدات المستقبلية نفسها في واشنطن: لماذا نمول قوة لا تستطيع تأمين المسار الذي مُوّلت لتنفيذه؟ وهكذا، يمنح استفزاز واحد حزب الله انتصارين استراتيجيين: يوقف الانسحاب الإسرائيلي، ويُضعف في الوقت نفسه المؤسسة التي يُفترض أن تحل مكان دوره العسكري. الصاروخ نفسه سيصيب الخريطة والموازنة معاً.

لذلك، على الرئيس جوزاف عون أن يحوّل مساعدة واشنطن من إعلان دبلوماسي إلى جدول تسليم تنفيذي، مرتبط بمسؤوليات واضحة وبمؤشرات سيطرة قابلة للقياس. وعليه أن يحمّل قيادة الجيش مسؤولية تثبيت سلطة الدولة الحصرية في القرى التجريبية الثلاث. أما قائد الجيش رودولف هيكل، فلا يجوز أن يتعامل مع المهمة باعتبارها انتشاراً إضافياً أو مجرد دورية جديدة. الاختبار ليس في قدرة الجنود على دخول قرية بعد انسحاب إسرائيل، بل في قدرة أي طرف آخر على إطلاق حرب من أرض تخضع اسمياً لسيطرتهم. حصرية السلطة تعني تغطية استخبارية، وضبط الوصول إلى مناطق الإطلاق، وتفكيك البنية العسكرية الموازية، وإجراء تحقيق جنائي سريع في أي حادث، وتوقيف كل من يحاول استخدام الأراضي اللبنانية لإعادة إشعال الحرب. الغموض ليس حالة محايدة؛ ففي هذه المعركة، الغموض هو السلاح الأساسي للمخرّب.

ولا تُعفى إسرائيل من المسؤولية. فالاستفزاز لا يتحول إلى تخريب استراتيجي إلا إذا سمحت له إسرائيل بذلك. وعلى واشنطن أن تضمن أن يؤدي أي حادث إلى تحقيق ورَد متناسب، لا إلى انهيار تلقائي لكل انسحاب مقرر. وإلا تكون إسرائيل قد منحت حزب الله حق النقض على المسار بأكمله، وحوّلت أي مسلح مجهول إلى كاتب مستقبل لبنان.

حزب الله قادر على توفير الشرارة، والمغالاة الإسرائيلية قد تتكفّل بالهدم.

لا يُطلب من لبنان أن يحل نصف قرن من الصراعات في ثلاث قرى. المطلوب منه أن يكسر الآلية التي أبقته أسيراً مرة تلو الأخرى: إذا استخفّت الدولة بفرون وصريفا وزوطر الغربية، ستتوقف عمليات التسليم، وستحتفظ إسرائيل بمواقعها، وسيتقلص الدعم الأميركي، وسينضم إطار 26 حزيران إلى الأرشيف الطويل للفرص اللبنانية المغتالة. أما إذا أحكمت الدولة سيطرتها عليها، فتبدأ المعادلة القديمة بالتصدّع. وللمرة الأولى، ستكون المعادلة التي تُقلب في لبنان معادلتهم هم.