منذ اللحظة الأولى التي يلامس فيها صراخُ الوليد جدرانَ الوجود، يُفتح ستارُ المسرح العظيم. هناك يبدأ العرض؛ أرواحٌ تدخل من أبواب الضوء، وأخرى تغادر إلى ممراتٍ لا تراها العيون. وبين الدخول والخروج، تتقاطع الحكايات كما تتقاطع المجرات في فضاءٍ لا يعرف السكون.
نحسب أننا نعيش الحياة، بينما الحياة هي التي تعبر بنا. تسرق من أعمارنا لحظاتٍ كما يسرق المدُّ آثارَ الأقدام عن الشاطئ، حتى إذا التفتنا إلى الوراء، لم نجد سوى صدى ذكرياتٍ يتردد في أروقة الزمن. نحن لسنا سوى عابري سبيلٍ فوق ذرةٍ صغيرةٍ معلقةٍ في محيطٍ كونيّ لا نهاية له، ومع ذلك يملأ الإنسان هذا الفراغ كلَّه بكبريائه، وحروبه، وأحلامه، وخوفه من النهاية.
وما الموت إلا رقصةُ الحياة الأخيرة. ليس خصمًا لها، بل ظلُّها الأبدي؛ يرافقها منذ الميلاد حتى يضمّها إليه في حضنٍ من الصمت. وفي تلك اللحظة، تنطفئ الأنفاس، لكن الأسئلة تولد من جديد. إلى أين تمضي الأرواح؟ وكيف يختفي كل هذا الضجيج في لحظةٍ واحدة حتى يصبح الكون أكثر هدوءًا من دمعةٍ سقطت على تراب رطب؟
رأيتُ في خيالي الثقوبَ السوداء تبتلع ضجيج المدن، والنجومَ تتناثر كأنها ذاكرةُ حضاراتٍ اندثرت، وسمعتُ الزمن يهمس: كلُّ ما لا يُبنى بالمحبة، ينهار مهما ارتفع. وكلُّ ما يُشيَّد بالروح، يبقى وإن غاب الجسد.
لهذا، لا تجعل حياتك سباقًا نحو نهايةٍ محتومة، بل رحلةً تستحق أن تُروى. لا تثقل قلبك بالكراهية، فهي أولُ المقابر التي يسكنها الإنسان وهو لا يزال حيًّا. اغفر ما استطعت، وأحبَّ بصدق، وامنح من حولك أثرًا طيبًا، فالعمر لا يُقاس بعدد السنين، بل بعدد الأرواح التي أضاءها حضورك.
لا تخشَ الانكسار؛ فالأرض نفسها لم تُنبت أجمل أزهارها إلا بعد أن تشققت. ولا تخف من العدم، فربما كان بابًا لوجودٍ لا تدركه العيون. عش لأن الحياة هبة، وارحل حين يحين الرحيل وقلبك خفيفٌ من الأحقاد، ممتلئٌ بالرحمة، تاركًا خلفك بذورًا من نور.
فعندما يُسدل الستار، لن يسأل الوجود كم امتلكت، ولا كم انتصرت، بل كم أحببت، وكم داويت قلبًا مكسورًا، وكم جعلت هذا العالم، ولو لبرهةٍ قصيرة، أكثر إنسانيةً مما وجدته.