جويل غسطين

"معمول" في عرضها الثالث: شخصيات أكثر نضجًا وانسجامًا

6 دقائق للقراءة

بعد النجاح الذي حققته مسرحية "معمول" في موسمَين، عامَي 2024 و2025، عاد العمل إلى الخشبة للمرة الثالثة، وهذه المرة على مسرح "Le Théâtre" في الدكوانة، حاملا التجربة الإنسانية التي لامست جمهور المسرحية منذ انطلاقتها.

العرض المسرحي من كتابة وإخراج كريم شبلي وسارة عبده، ويتناول حياة أربع سيدات يُقمن في المبنى نفسه في بيروت، مستعرضًا من خلالهن العلاقات الإنسانية وتعقيداتها، ومناقشًا بعض عادات المجتمع وتقاليده، عبر شخصيات تنبض بالواقع وتطرح أسئلة قريبة من حياة كل فرد.

يشارك في بطولة المسرحية نخبة من الممثلات، هنّ: هيام أبو شديد، ندى بو فرحات، سينتيا كرم، وسارة عبده، وإلى جانبهن الممثل جوزيف آصاف.


اختمار الشخصيات

في حديث مع "نداء الوطن"، تقول المخرجة والكاتبة والممثلة سارة عبده إن إعادة تقديم "معمول"، مع فارق زمني كبير بين عرض وآخر، ليست مجرد قرار إنتاجي، بل مساحة تسمح للشخصيات بأن "تتخمّر" بهدوء، فتزداد عمقًا ونضجًا، وينعكس ذلك على أداء الممثلين الذين يصبحون أكثر تقاربًا وارتياحًا في ما بينهم على الخشبة، رغم ثبات النص وعدم المساس بمضمونه.

وتضيف عبده أن هذه التجربة منحتها راحة خاصة في التمثيل، لأنها تقف داخل شخصية تعرفها من الداخل، وتفاصيلها محفورة في ذاكرتها منذ لحظة الكتابة الأولى، ما جعل الأداء امتدادًا طبيعيًا للفكرة، لا مجرد تجسيد لها.

وفي دعوة موجّهة إلى الجمهور، تحثّه على مشاهدة "معمول"، لأنها مسرحية مضحكة ومناسبة لكل الأجيال، مضيفة: "ربما تكون آخر فرصة لالتقاط هذا العرض على الخشبة قبل أن تُطوى صفحة عرضه نهائيًا".


كسر المركزية الثقافية

أما الكاتب والمخرج كريم شبلي، فيعتبر من جهته أن قرار إعادة عرض مسرحية "معمول" للمرة الثالثة جاء نتيجة الإقبال الكبير الذي حظي به العمل في عروضه السابقة، مشيرًا إلى أن هذا القرار ليس سهلا على المستويين الإنتاجي والتنفيذي، نظرًا إلى وجود تعقيدات لوجستية متعددة، من بينها التزامات بعض الممثلين في لبنان أو خارجه، مثل الممثلة هيام أبو شديد المقيمة في كندا.

وعن أهمية هذه التجربة، يرى شبلي أنها لا تقتصر على استمرار العرض، بل تمتد إلى قدرتها على فتح مساحات مسرحية جديدة داخل لبنان، بعيدًا عن المناطق المصنفة تقليديًا مراكز للعروض، ما يتيح استقطاب فضاءات غير مألوفة وكسر ما يُعرف بالمركزية الثقافية جغرافيًا.

فالمجموعة الحالية من عروض "معمول" ستُقدَّم على مسرح "Le Théâtre" الكائن في "سنتر فريواي" - الدكوانة، وهو مخصص أساسًا لعرض مسرحيات الأطفال، لكن "معمول" خرقت هذا السياق لتكون أول عرض موجّه للكبار يُقدَّم على هذه الخشبة.

وقد أدخل كريم شبلي بعض التعديلات على سينوغرافيا المسرحية بعد ثلاث سنوات على عروضها الأولى، موضحًا أنه لم يكن راضيًا تمامًا عن السينوغرافيا في النسخة الأساسية، لذا استفاد من إعادة تقديم المسرحية لإعادة النظر في بعض تفاصيلها وتطويرها، مشيرًا إلى أن مرور الوقت لم يطل الجانب البصري فحسب، بل شمل أيضًا أداء الممثلين، إذ إن المحبة والصداقات التي توطدت بينهم خلال السنوات الماضية انعكست انسجامًا أكبر على الخشبة، ومنحت الأداء عفوية وتماسكًا أوضح.


محطة استثنائية

بالانتقال إلى الممثلة هيام أبو شديد، تؤكد الفنانة المخضرمة، في حديثها إلى "نداء الوطن"، أن مشاركتها في مسرحية "معمول" شكّلت محطة إنسانية وفنية استثنائية في مسيرتها، إذ لم تقتصر على تجربة تمثيلية فحسب، بل أتاحت لها بناء علاقات متينة مع فريق العمل، الذي تصفه بعائلة يسودها الدعم والمحبة والتفاهم.

وتلفت إلى أن هذه الأجواء الإيجابية، التي رافقت العروض والجولات على مدى أكثر من عامَين، كانت من أبرز مكاسب التجربة، إلى جانب أن هذا العمل أعادها إلى التمثيل على خشبة المسرح بعد غياب تجاوز ثلاثين عامًا.

وعن شخصية "تانيا" التي تؤديها، تقول أبو شديد إنها تجسّد نموذجًا مألوفًا في مجتمعاتنا، يشبه الكثيرات من الأمهات والخالات والعمّات اللواتي يكرّسن حياتهن لعائلاتهن، حتى إنهن ينسين ذواتهن، ويعبّرن عن حبّهن أحيانًا بأسلوب يغلب عليه التملّك.

من هنا، تعتبر أبو شديد أن شخصية "تانيا" تحمل دعوة إلى كسر هذه الصورة النمطية، وإعادة النظر في مفهوم الحب داخل الأسرة، وهو ما ينعكس أيضًا في تفاعل الجمهور، الذي كثيرًا ما يخبرها بأن "تانيا" ذكّرته بإحدى النساء المؤثرات في حياته.


مختلفة لكن محببة

أما الممثلة ندى بو فرحات، فتكشف من جهتها أن أكثر ما جذبها إلى المشاركة في مسرحية "معمول" كان النص الذي جمع بين الكوميديا والتأثير الإنساني، إذ وجدته قريبًا من واقعنا الاجتماعي، وصادقًا في مقاربته للعلاقات العائلية وما يرافقها من تناقضات ومشاعر.

وتوضح أن هذا المزيج بين الضحك والصدق منح العمل خصوصيته، وجعله قادرًا على ملامسة الجمهور.

أما عن الشخصية التي تؤديها، فتؤكد بو فرحات لـ "نداء الوطن" أنها بعيدة عنها على المستوى الشخصي، إلا أنها ارتبطت بها كثيرًا وأحبتها، إلى درجة أنها ترى أنه لو كانت شخصية حقيقية، لاختارتها صديقة لها، في إشارة إلى ما تحمله من صفات إنسانية تجعلها محببة رغم اختلافها عنها.


ضحك من القلب

ننتقل إلى الممثلة سينتيا كرم، التي تؤدي دور "عفّت"، وهي شخصية تشبه كرم في بعض الجوانب، ولا سيّما في بساطتها وشفافيتها، على حد قولها.

"عفّت" سيدة تنتمي إلى الطائفة الدرزية، تكرّس حياتها للعناية بوالدتها المسنّة، لكنها تتمتع في الوقت نفسه بروح عفوية وحس فكاهي يضفيان طابعًا كوميديًا مميزًا على أحداث المسرحية.

وتكشف كرم، في حديثها مع "نداء الوطن"، أنها أحبّت الشخصية التي تؤديها منذ القراءة الأولى للنص، مشيرة إلى أنها لا تزال تضحك من قلبها في كل مرة تعيد فيها قراءة المشاهد أو تؤدي الدور على خشبة المسرح، لما تحمله هذه الشخصية من مواقف طريفة وعفوية.


نص سلس

ويصف الممثل جوزيف آصاف من ناحيته نص مسرحية "معمول" بأنه سلس ومترابط، كُتب باحترافية لافتة وبقلم مميز.

أما مشاركته في العمل، فشكّلت، كما يكشف لـ "نداء الوطن"، تجربة فريدة أضافت الكثير إلى مسيرته الفنية، إذ إنها المرة الأولى التي يخوض فيها تجربة مسرحية معاصرة بهذا المستوى. ورغم أن دوره يُعد صغيرًا مقارنة ببقية الشخصيات، فإنه ترك لديه أثرًا خاصًا وبصمة مميزة.

هي إذًا دعوة إلى اكتشاف شخصيات من وحي الحياة، وقصص يمكن أن تُعاش داخل كل بيت. إنه الواقع في مسرحية تستضيفها خشبة جديدة، وعنوان جديد لأهل المسرح وجمهوره في لبنان.