داود رمال

البند 13... لماذا أصر على تعليق المواجهة القانونية بين لبنان وإسرائيل؟

5 دقائق للقراءة
البند 13 يجسّد مقاربة تفاوضية مرحلية (إنترنت)

شكّل البند الثالث عشر في "صيغة الإطار" الخاصة بالترتيبات المرتبطة بالوضع على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية أحد أكثر البنود حساسية وتعقيدًا في مسار المفاوضات، نظرًا لما يرتّبه من انعكاسات سياسية وقانونية على الطرفين، وما يعكسه من محاولة لإبعاد مسار التفاوض عن ساحات الاشتباك القضائي والدبلوماسي، بما يسمح بتركيز الجهود على الأولوية الأساسية المتمثلة في تثبيت وقف إطلاق النار وإنجاز الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي اللبنانية، قبل الانتقال إلى أي مرحلة سياسية أو قانونية لاحقة.

وقال مصدر دبلوماسي غربي لـ "نداء الوطن" إن "صيغة الإطار جاءت نتيجة أخذ مختلف الاعتبارات اللبنانية والإسرائيلية في الحسبان، ضمن الحدود التي يستطيع كل طرف تحمّلها، ولا سيما الجانب اللبناني، الذي كان حريصًا على عدم الدخول في التزامات تتجاوز قدرته السياسية والدستورية، خصوصًا في ما يتعلق بالبند الثالث عشر، الذي ينص على الآتي: "انسجامًا مع هدفهما المشترك المتمثل في إقامة علاقات مستقرة وسلمية، تلتزم إسرائيل ولبنان باتخاذ إجراءات بحسن نية تعكس نواياهما الإيجابية، بما في ذلك وقف كل الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية، والعمل على البحث عن الرفات وإعادتها، والإفراج عن المحتجزين". وأوضح المصدر أن "هذا النص لم يأت بمعزل عن وقائع التفاوض، بل كان ثمرة نقاشات مطوّلة هدفت إلى إيجاد صيغة تحول دون تحويل النزاع إلى مواجهة قانونية متبادلة خلال مرحلة تنفيذ الاتفاق".

وأضاف المصدر أن "الاجتماع الأخير الذي عُقد في واشنطن قبل إقرار الصيغة النهائية شهد موقفًا إسرائيليًا واضحًا وحاسمًا، إذ توجّه أعضاء الوفد الإسرائيلي إلى الوفد اللبناني بالقول إن تلويح لبنان باللجوء إلى محكمة العدل الدولية لن يشكّل عنصر ضغط على إسرائيل، بل يمكن أن يتحول إلى ورقة تخدم مصالحها، من دون أن يكشف الإسرائيليون بصورة مباشرة آلية ذلك. إلا أنهم أبلغوا الجانب اللبناني أنهم، في المقابل، قادرون على ملاحقة الدولة اللبنانية أمام المحاكم الأميركية، وكذلك على تحريك ملفات داخل الكونغرس الأميركي، استنادًا إلى اتهام لبنان بإيواء منظمة مصنّفة إرهابية والتعاون معها، ومنحها تمثيلا داخل مجلس الوزراء ومجلس النواب، الأمر الذي يفتح الباب، من وجهة نظرهم، أمام سلسلة دعاوى وإجراءات قانونية وسياسية يُرجّح أن تحقق فيها إسرائيل مكاسب كبيرة".

وأوضح المصدر أن "الإسرائيليين استندوا في هذا الطرح إلى قراءتهم للقرارات الدولية، ولا سيما القرار 1701، وإلى اتفاق وقف الأعمال العدائية، معتبرين أن هذه المرجعيات تحمّل الدولة اللبنانية مسؤولية الاعتداءات المنطلقة من أراضيها، فيما تنسب المسؤولية المباشرة إلى "حزب الله"، وهذا التوصيف يمنح إسرائيل، وفق مقاربتها القانونية والسياسية، هامشًا واسعًا للمطالبة بفرض عقوبات على الدولة اللبنانية، والسعي إلى تعليق أو تجميد رزم المساعدات العسكرية وغير العسكرية التي يوافق عليها الكونغرس الأميركي سنويًا، وهو ما كان من شأنه إدخال لبنان في مواجهة مكلفة على المستويات المالية والسياسية والدبلوماسية في مرحلة بالغة الحساسية".

وأشار المصدر إلى أن "هذه المعطيات دفعت المفاوضات نحو تسوية تقوم على تعليق أي ملاحقات أو إجراءات قانونية متبادلة طوال فترة التفاوض وتنفيذ الالتزامات، باعتبار أن الهدف المباشر للبنان لم يكن خوض معركة قضائية، بل ضمان تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل وتنفيذ الملف العسكري والأمني المرتبط بالاتفاق". وشدّد على أن "عبارة وقف أو تعليق الإجراءات القانونية خلال مرحلة التفاوض لا تعني بأي شكل من الأشكال تنازلا دائمًا أو التزامًا نهائيًا بعدم اللجوء إلى المؤسسات القضائية الدولية مستقبلا، بل تقتصر على توفير مناخ يسمح بتنفيذ الأولويات الميدانية، على أن تنتقل العلاقة بعد إنجاز الانسحاب الكامل إلى مرحلة مختلفة جذريًا، تكون فيها الالتزامات الفعلية محصورة بإنهاء حالة العداء ومنع الاعتداءات المتبادلة، فيما تبقى الخيارات القانونية والسياسية خاضعة للمرحلة الجديدة وظروفها".

وأكد المصدر أن "الصورة ستتضح بصورة أكبر خلال المرحلة المقبلة، ولا سيما بعد زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن، التي نعتبرها تاريخية، إذ أسهم اللقاء المغلق الذي جمع الرئيس عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في تثبيت قواعد جديدة لمقاربة الملف اللبناني داخل الإدارة الأميركية. فقد نجح عون في إعادة ترتيب سلّم الأولويات، بحيث بات التركيز منصبًا أولا على تثبيت وقف نهائي لإطلاق النار، وثانيًا على إنجاز الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى ما خلف الحدود الدولية، باعتبار أن هاتين الركيزتين تشكّلان المدخل الإلزامي لأي نقاش سياسي أو أمني أو قانوني لاحق، وهو ما تتضمّنه بصورة مباشرة صياغة الإطار وآلية ترتيب الالتزامات الواردة فيه".

وتكشف القراءة المتأنية للبند الثالث عشر أنه لا يعكس تحوّلا في المواقف السياسية بقدر ما يجسّد مقاربة تفاوضية مرحلية هدفت إلى حماية مسار تنفيذ الاتفاق من الاشتباكات القانونية والدبلوماسية التي كان يمكن أن تعطّل أهدافه الأساسية. فتعليق المواجهة القضائية لم يكن غاية بحد ذاته، بل أداة لتوفير بيئة أكثر استقرارًا تسمح بإنجاز الانسحاب الإسرائيلي الكامل وتثبيت وقف النار، على أن يبقى لكل مرحلة أدواتها واستحقاقاتها، وفق ما ستفرضه الوقائع السياسية والأمنية بعد اكتمال تنفيذ الالتزامات الميدانية.