رامي نعيم

دوري شمعون ريّس الوطنيين والأحرار

6 دقائق للقراءة

في الذكرى الـ44 لاستشهاد رئيس الجمهورية الأسبق بشير الجميّل، رحل الرّئيس الفخري لحزب "الوطنيين الأحرار" النائب السابق دوري شمعون. هي مصادفة في حساباتنا البشرية ومصالحة حقيقية في حسابات التاريخ بين حزبَين توحّدت بندقيّتهما بالدمّ وبقيَ للجرح أثر بين النّمور والقواتيين.

وإذا كان دوري غير معنيّ مباشرة بمجزرة الصفرا لكنّه تحمّل الكثير من تبعاتها ويُحسب له عدم وقوفه ضد البشير في حياته وبعد استشهاده. اللبنانيون يعرفون دوري، يعرفونه سياسيًا هادئًا عنيدًا، لكنّ "الأحرار" اعتبروا لسنوات طويلة بأن الشهيد داني شمعون شقيق دوري كان أكثر تأثيرًا في العمل السياسي وأن باغتياله انتهى حزب الوطنيين الأحرار ، لكن ما لا يعرفه حتى بعض مسؤولي حزب "الأحرار" أن دوري يعمل في الظل… فهو من أسس الحزب وليس داني شمعون، وهو من اختار أن يقود داني "الأحرار" وعاد ليحمل صليبه بعد اغتيال داني، أنغريد، طارق وجوليان، في إحدى أبشع جرائم العصر. حمل صليبه دوري ورحل يوم عيد الصليب وكأنه يقول: آن لي أن أرتاح. وإذا كان داني أقرب إلى الشمعونيين فإن دوري كان أقل تفاعلا مع القاعدة، لكنّه أكثر قدرة على التنظيم.

عاد ابن فخامة الملك مُحاصرًا! تركة الدم فرضت عليه قيادة السفينة ولبنان غارق بالفساد والاحتلالات والمحسوبيات وبالدولة العميقة أيضًا. عاد والقضاء سيف مُسلط على رقاب الأحرار جميع الأحرار أكانوا في حزبه أو في الأحزاب السيادية الأُخرى، والأمن حاضر لتضييق الخناق وتوزيع الاتهامات على من يجرؤون على الوقوف بوجه المنظومة الأمنية السياسية القضائية الفاسدة.

عاد دوري وعلى كتفه الرئيس السابق للحزب "الاشتراكي" وليد جنبلاط صديق السوريين وحليف رئيس مجلس النواب وحركة "أمل" نبيه برّي وفي السجن رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع. أما رئيس "التيار الوطني الحر" ميشال عون فكان يومها في منفاه الباريسي.

عاد ليجد الياس الهراوي رئيسًا للجمهورية ولبنان تحت قبضة السوريين و"حزب الله" أمنيًا وتحت رحمة رئيس الحكومة الأسبق الشهيد رفيق الحريري اقتصاديًّا. أما سياسيًّا فالمايسترو هو نبيه برّي في حين أن "النوتا" تكتب في عنجر. مع عودة دوري حاولت سلطة الاحتلال استرضاءه فكانت هذه المنظومة تحتاج إلى شرعية مسيحية كان باستطاعة دوري تأمينها، فعرض النائب السابق كريم بقرادوني على شمعون بإيعاز من حاكم عنجر إعطاء "الوطنيين الأحرار" كتلة نيابية وازنة في مجلس النواب، وتعيين دوري شمعون وزيرًا سياديًا مدى الحياة في كل الحكومات التي ستتشكل في لبنان، مقابل اتهام شمعون سمير جعجع باغتيال داني وعائلته، وتشريع الاحتلال السوري بزيارة سوريا ولقاء الرئيس السوري حافظ الاسد، وفتح صفحة جديدة مع السوريين. يومها وقف شمعون وقال لبقرادوني: انتهى الاجتماع لا مجال للبحث في أي نقطة لا أريد نيابة ولا وزارة ولن أفعل إلا ما يمليه عليّ ضميري ووطنيّتي.

بعد هذه المحاولة الفاشلة حاول للنظام السوري وأدواته في لبنان إمساك شمعون من يده الضعيفة فعرضوا عليه مبلغًا خياليًا من المال، مقابل صمته وعدم مهاجمة سوريا وعملائها في لبنان، لكن شمعون وعلى الرغم من وضعه الماديّ غير الجيّد رفض، فبدأت مرحلة المضايقات واعتقال طلاب "الوطنيين الأحرار" والملاحقات القضائية ومنع السفر والتوقيف التعسفي، فكان دوري يقول لنا في كل مرة نراجعه: "لن اتّصل بأحد لأتوسط لكم كي تخرجوا! أمامكم حلّين إما المكوث في السجن وتحمل تبعات خياراتكم وإما الاستقالة من الحزب أو التوقف عن التظاهر والاعتراض". وفي كل مرة نسأله عن السبب يقول: "يريدونني أن أتوسل لهم ويستعملونكم "طُعمًا" وأنا لن أفعلها ولو أوقفوا كميل ابني!". بين الـ 1990والـ 2005 قدّمت سلطة الوصاية أربع مبادرات لاحتواء الأحرار وانضمامه إلى الدولة العميقة، فبعد بقرادوني حاول الرئيس الياس الهراوي مباشرة إقناع شمعون، لكنه خرج من بعبدا بخلاف عميق بين الرجلين دام لسنوات طويلة، بعدها حاول رفيق الحريري عبر أحد الأمناء في حزب "الوطنيين الأحرار" إعطاء حصة المسيحيين في الدولة للحزب، وقال حرفيًّا: أنتم حزب نظيف الكف وصاحب تاريخ مشرّف نريدكم في الدولة". رفض دوري عرضه.

بعد الحريري حاول مرة أخيرة نبيه برّي لكنّه حصل على الإجابة نفسها. ظل دوري على ما هو عليه ولم يبالِ وكان ينتظر بفارغ الصبر عودة ميشال عون من المنفى الباريسي ليخوض معه الانتخابات النيابية ويعود إلى المشهد السياسي من باب السيادة لا من باب دفع الأثمان، إلى أن أتى عون وذهب للقائه فكانت الصدمة الكبرى. خرج دوري من الاجتماع كمن فقد عزيزًا، بعد مشادة كلامية قاسية مع عون عرف بأن الأخير صار في حضن طهران وأن ما رفض تقديمه هو إلى النظام السوري، قدّمه عون ليعود على صهوة الانتخابات والزعامة المسيحية، فرفض عرض عون بالتحالف في الشوف وعاليه، واعتبر أن أي تحالف مع "حزب الله" سيكون ضربة للمسيحيين بشكل خاص وللبنان بشكل عام.

بقي دوري يخبر لسنوات عن كذب ميشال عون وعن قدرته على نكران الجميل وكان يردد دائمًا "الخيانة أنواع لكنّ أفظعها خيانة الذات وهذا ما فعله عون". بعد هذه الخطوة قدّم قسم كبير من قياديي الأحرار استقالتهم واعتبروا أن عدم تحالف شمعون مع عون خطيئة، لكن دوري كعادته لم يكترث وتمسّك بموقفه حتى وصل عون إلى بعبدا، فعاد كثر ممن أقدموا على الاستقالة معتذرين على قصر رؤيتهم وعلى صوابية قراره.

عاش دوري شمعون متواضعًا. وهو طالما أخبرنا عن طفولته العظيمة ومراهقته الفخمة في ظل رئيس جمهورية هو الأعظم في تاريخ لبنان وسيّدة أولى لا يزال يفتخر بها كل لبنانيّ أصيل. عاش رفيق الرؤساء والزعماء وصانعي القرار في لبنان والعديد من دول العالم لكنه كان يعرف أن في السياسية لا شيء مجانًا… تطلُب اليوم وسيُطلب منك غدًا وهو لا يريد الأمرين معًا. لم نطلب يومًا موعدًا للقائه ولا لزيارته ولم نخف من موقفٍ نقوله على مسمعه مهما كان مخالفًا لرأيه. كان أبًا للقريبين وقدوة لكل من يرفض المساومة، ويعرف أن الحياة مهما طالت بنا ستنتهي يومًا ما، ولن يبقى إلا ما بقي من دوري شمعون…. كرامة محفوظة صيت طيّب ووطنية لا غبار عليها.


نائب رئيس التحرير