عندما تسلّم التيار الوطني الحر وزارة الطاقة عام 2009، قدّم للبنانيين التزاماً سياسياً واضحاً: تأمين الكهرباء 24 ساعة على 24 ساعة، وحدّد عام 2015 موعداً لتحقيق هذا الهدف من خلال خطة شاملة شملت إنشاء معامل جديدة، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، وزيادة الإنتاج.
كان هذا الوعد واضحاً، ولذلك يبقى من حق اللبنانيين، بعد مرور السنوات، أن يقيسوا التجربة بمعيار واحد: هل تحققت النتيجة التي وُعدوا بها؟
في السياسة، لا تُحاسَب الحكومات على النيات، بل على الإنجازات. والوعود الكبيرة تستتبع مسؤولية أكبر، لأن من يطلب ثقة الناس على أساس مشروع إصلاحي يصبح مطالباً، بعد سنوات، بتقديم كشف حساب عن النتائج.
من هنا، فإن النقاش حول أداء أي وزير جديد لا يمكن أن يُعزل عن تاريخ هذا الملف. فالمساءلة يجب أن تكون شاملة، تبدأ بمن وضع الوعود والخطط وأدار القطاع لسنوات، فاللبنانيون لا يريدون سجالاً سياسياً جديداً، بل يريدون أن يعرفوا لماذا بقي هدف «24 ساعة على 24» بعيد المنال رغم مرور كل هذه السنوات.
في الدول التي تحترم نفسها، لا تُقاس المسؤوليات بالشعارات، بل بالنتائج. ولا تُمارَس المحاسبة السياسية بمنطق انتقائي، بحيث يصبح من كان في قلب القرار لسنوات طويلة مراقباً من الخارج، يوزّع شهادات النجاح والفشل على الآخرين.
وهذا تحديداً ما يفرضه اليوم ملف الكهرباء في لبنان، بعدما عاد إلى الواجهة من باب السجال السياسي والإعلامي، لا من باب الإنجازات التي ينتظرها اللبنانيون منذ سنوات طويلة.
فمنذ تولّي وزير الطاقة والمياه جو صدي مسؤولية الوزارة، تصاعدت حملة سياسية وإعلامية من قبل التيار الوطني الحر ووسيلته الإعلامية OTV، تركز على تحميله مسؤولية أزمة كهرباء عمرها أكثر من خمسة عشر عاماً، وكأن هذا الملف وُلد يوم دخل الوزير الجديد إلى مكتبه.
لكن الحقيقة التي يعرفها كل لبناني أن أزمة الكهرباء لم تبدأ اليوم، وأن المسؤولية عنها لا يمكن اختزالها بشخص أو حكومة أو مرحلة واحدة.
فهذا القطاع كان على مدى سنوات طويلة في صلب القرار السياسي، وشهد خططاً ووعوداً ومشاريع وشعارات، فيما بقي المواطن يدفع الثمن: تقنين، مولدات، فواتير مرتفعة، وانعدام الثقة بالدولة.
لا يمكن فصل ملف الكهرباء عن الخطاب السياسي الذي رافقه طوال السنوات الماضية.
فقد خاض التيار الوطني الحر جزءاً كبيراً من معاركه السياسية والانتخابية تحت عنوان إصلاح ،باعتباره وعداً للبنانيين بأن هذا الملف سيكون نموذج النجاح الأساسي.
لكن بعد سنوات، لم يعد السؤال هو: من رفع الشعار؟ بل أصبح السؤال: أين هي النتيجة؟
فاللبناني لا يحاكم السياسيين بعدد المؤتمرات الصحافية، ولا بعدد الخطط المعلنة، بل بما وصل إليه منزله من كهرباء.
لقد سمع اللبنانيون وعوداً متكررة: معامل جديدة، خفض الهدر، تحسين الجباية، تأمين الكهرباء على مدار الساعة، وإنهاء العجز. لكن الواقع بقي مختلفاً، وبقي قطاع الكهرباء أحد أكبر الأعباء على الدولة والمالية العامة.
المشكلة لم تكن يوماً في غياب الأفكار، بل في غياب التنفيذ. فلبنان لم يكن ينقصه المزيد من الخطط، بل كان يحتاج إلى قرار سياسي يضع الإصلاح فوق الحسابات.
خمسة عشر عاماً من الخطط… أين أصبحت النتائج؟
منذ عام 2010، أُطلقت خطط متتالية لإصلاح قطاع الكهرباء. وكانت العناوين واضحة: زيادة الإنتاج، بناء معامل، تحسين أداء مؤسسة كهرباء لبنان، وخفض الاعتماد على الدعم.
لكن السنوات أثبتت أن الفارق بين الخطة والتنفيذ كان أكبر من قدرة الدولة على تحقيق الوعود.
فتراكم العجز، واستمرت الخسائر، وبقيت الدولة مضطرة إلى دعم القطاع، فيما دفع المواطن ثمن هذا التعثر من جيبه ومن نوعية حياته.
وهنا السؤال الأساسي الذي لا يمكن تجاوزه:
هل من المنطقي اليوم تحميل وزير جديد وحده مسؤولية ملف تراكم خلال سنوات طويلة؟
وهل يمكن لمن كان في موقع القرار طوال هذه المرحلة أن يتعامل مع الأزمة وكأنه لم يكن جزءاً من مسارها؟
المحاسبة حق، لكن المحاسبة تبدأ من المسؤولية التاريخية، لا من اللحظة التي لا تناسب البعض سياسياً.
البواخر… الحل الذي لم يتحول إلى حل.
أما ملف البواخر، فهو يبقى أحد أبرز عناوين النقاش في ملف الكهرباء.
فعندما طُرح خيار استئجار معامل التوليد العائمة، قُدّم على أنه حل سريع ومرحلي لتأمين زيادة في التغذية، ريثما يتم بناء معامل دائمة تؤسس لحل جذري.
لكن هذا الملف تحول لاحقاً إلى محور خلاف سياسي كبير.
فالمؤيدون اعتبروا أن البواخر كانت ضرورة لتأمين الطاقة في ظل غياب الإنتاج الكافي، فيما رأى المعارضون أنها استمرار لسياسة الحلول المؤقتة التي تؤجل الإصلاح الحقيقي.
واليوم، يعود البعض ليقول إن البواخر كانت الحل الأسرع والأوفر، وإن اعتمادها كان سيؤمن وفراً كبيراً للبنان.
وهنا يطرح اللبنانيون سؤالاً مشروعاً:
إذا كانت البواخر هي الحل المثالي، فلماذا لم تُنهِ الأزمة طوال السنوات الماضية؟
ولماذا بقي لبنان ينتقل من حل مؤقت إلى حل مؤقت، بدل الوصول إلى إنتاج مستدام؟
المشكلة لم تكن فقط في وجود أو عدم وجود البواخر، بل في غياب رؤية كاملة تنقل القطاع من إدارة الأزمة إلى حل الأزمة.
استجرار الكهرباء… بين النقد السياسي والحسابات العلمية.
أما انتقاد مشاريع استجرار الكهرباء من الخارج، سواء من تركيا أو قبرص أو غيرها، فلا يجب أن يكون عبر السخرية أو التوصيفات السياسية.
أي مشروع يجب أن يخضع لمعايير واضحة:
الكلفة ،المدة الزمنية،الجدوى الاقتصادية،
تأثيره على المواطن ومؤسسة كهرباء لبنان.
فإذا كان هناك اعتراض على أي مشروع، فليكن النقاش بالأرقام والدراسات، لأن اللبنانيين لم يعودوا بحاجة إلى مزيد من السجالات، هم بحاجة إلى كهرباء.
أما تحويل كل فكرة جديدة إلى مادة للتخوين أو السخرية، فهو لا يخدم الإصلاح، بل يعيد إنتاج الأزمة نفسها.
جو صدي… لا إعفاء من المسؤولية ولا تحميل لإرث الآخرين
من المهم التأكيد أن الوزير جو صدي، كما أي مسؤول عام، ليس فوق المساءلة.
فهو سيُقيَّم على ما ينجزه، وعلى قدرة وزارته على تقديم حلول فعلية، وعلى النتائج التي سيحققها خلال فترة مسؤوليته.
لكن العدالة السياسية تفرض أيضاً عدم تحميله وحده إرث ملف تشكل عبر سنوات طويلة.
فالوزير الجديد لا يبدأ من الصفر، بل يرث واقعاً قائماً، ومؤسسة متعبة، وأزمة متراكمة.
والفرق كبير بين محاسبة مسؤول على خياراته، وبين تحميله مسؤولية تاريخ كامل لم يكن هو من صنعه.
التيار الوطني الحر وتجربة وزارة الطاقة… الحكم للنتائج
إن تقييم أي فريق سياسي لا يكون من خلال ما يقوله عن نفسه، بل من خلال ما يتركه خلفه.
والتيار الوطني الحر يملك الحق في الدفاع عن تجربته السياسية، لكن من حق اللبنانيين أيضاً أن يسألوا عن نتائج السنوات التي كان فيها ملف الطاقة في صلب نفوذه السياسي.
بعد كل الوعود، وبعد كل الخطط، وبعد كل الشعارات، يبقى السؤال:
لماذا لم يصل لبنان إلى كهرباء مستقرة؟
هذا السؤال ليس موجهاً ضد أحد، بل هو حق طبيعي لشعب تحمل سنوات طويلة من الأزمة.
فالاعتراف بالأخطاء لا يُضعف أي فريق سياسي، بل يجعله أكثر صدقية. أما محاولة نقل المسؤولية بالكامل إلى الآخرين، فهي لا تقنع مواطناً عاش التجربة يوماً بيوم.
الخاتمة: لا أحد يستطيع إطفاء ذاكرة اللبنانيين
قد تنجح الحملات الإعلامية في تغيير العناوين، وقد تنجح السياسة في إعادة صياغة الروايات، لكن هناك حقيقة لا يمكن تغييرها: ذاكرة الناس. فاللبناني لا يتذكر فقط من تحدث عن الكهرباء، بل من أوصلها.
ولا يتذكر عدد الوعود، بل عدد ساعات التغذية.
بعد خمسة عشر عاماً من الخطط والانتظار، لم يعد المطلوب من السياسيين مزيداً من السجالات، بل شجاعة الاعتراف بالحقيقة.
من يريد أن يحاسب، عليه أن يقبل بالمحاسبة.
ومن يريد أن يفتح ملفات الآخرين، عليه أن يفتح أولاً ملف تجربته.
لأن الكهرباء لا تكذب.
والتاريخ لا يحكم على الشعارات، بل على النتائج.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينتظر اللبنانيون جوابه:
هل المطلوب فعلاً إصلاح الكهرباء…
إلى التيار الوطني الحر اقول من أمسك بالوزارة وأنفق المليارات لا يحق له أن يتقمّص دور الضحية.