كتبت الكنيسة المارونية ولبنان صفحةً تاريخية جديدة، بإعلان البطريرك مار الياس بطرس الحويك، مؤسس لبنان الكبير، طوباوياً، خلال احتفال مهيب أقيم في الصرح البطريركي في الديمان، بحضور رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون واللبنانية الأولى السيدة نعمت عون، ورئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام وعقيلته، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل وعقيلته، إلى جانب الكاردينال مارشيلو سيميرارو ممثل قداسة البابا لاون الرابع عشر، والسفير البابوي، والبطاركة والأساقفة، والرؤساء العامين والرئيسات العامات، والوزراء والنواب، والقيادات العسكرية والأمنية، وأعضاء السلك الدبلوماسي، وحشود من المؤمنين من لبنان والنطاق البطريركي وبلدان الانتشار.
افتُتح الاحتفال بتطواف ليتورجي، ثم رفع المطران منير خيرالله التماس إعلان التطويب باسم الكنيسة المارونية، فيما عرض المطران حنا علوان سيرة الطوباوي الجديد الروحية والوطنية. بعدها تلا الكاردينال سيميرارو مرسوم التطويب باللغة اللاتينية، وقرأت الأم ماري أنطوانيت سعادة ترجمته العربية، قبل تسليم خمس نسخ رسمية منه إلى البطريرك الراعي، والمطرانين خيرالله وعلوان، والأم سعادة، والأخت نورا الخوري حنا.
وبعد شكر قداسة البابا، أزيحت الستارة عن الصورة الرسمية للطوباوي، ثم دخلت ذخائره في موكب مهيب حملها المطران أنطوان شربل طربيه، والمطران بول مروان تابت، والأب الياس سليمان، والأب جان بول شربل، ووضعت على المذبح لتبدأ الذبيحة الإلهية.
وفي عظته التي حملت عنوان «مجد لبنان أُعطي له»، قدّم البطريرك الراعي قراءة روحية ووطنية متكاملة في شخصية الحويك، مؤكداً أن الكنيسة لا تمنحه مجداً بشرياً، بل تعترف بعمل الله في حياته، وبأمانته للإنجيل وخدمته للإنسان والوطن.
وأشار إلى أن شعار الحويك «إلهي رضاك» كان برنامج حياته، وأنه جمع بين الصلاة والعمل، وبين قداسة الراعي ومسؤولية رجل الدولة. كما أبرز دوره في زمن المجاعة، حين فتح أبواب الكنيسة والأديرة أمام الجائعين، وسخّر الإمكانات لمساعدة الفقراء، فبقي في الذاكرة أباً للمحتاجين.
وشكّل البعد الوطني المحور الأساسي في العظة، إذ أكد الراعي أن الحويك حمل قضية لبنان إلى مؤتمر السلام في باريس، ودافع عن حق اللبنانيين في دولة حرة سيدة مستقلة، وأسهم في قيام لبنان الكبير. وشدد على أنه لم يطلب وطناً لطائفة، بل وطناً لجميع أبنائه، يقوم على الشراكة والعدالة والمساواة.
وتوقف عند فلسفته القائمة على «التآلف في الاختلاف»، معتبراً أنها ما تزال أساس بقاء لبنان، وداعياً إلى استعادة روح الحويك في زمن الانقسامات، ورفض الهيمنة والإقصاء، وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الفئوية.
كما تناول غبطته اهتمام الطوباوي بالتربية وبناء الإنسان، وتأسيسه جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات سنة 1895، ودعمه المدارس والمؤسسات، وتوسيع حضور الكنيسة المارونية في باريس وروما والقدس ومصر وبلدان الانتشار. وأشار أيضاً إلى محبته للعذراء مريم وإسهامه في إنشاء مزار سيدة لبنان في حريصا، وإلى دعم مسيرة القداسة المارونية.
وفي ختام عظته، دعا الراعي اللبنانيين والمسؤولين إلى الاقتداء بالحويك في إيمانه ونزاهته وتجرده، مؤكداً أن لبنان يحتاج إلى رجال دولة يجعلون الإنسان محور العمل الوطني، ويحفظون الحرية والسيادة والعيش المشترك.
واختُتم الاحتفال بزياح مهيب بذخائر الطوباوي وبركة المؤمنين، في يوم جمع بين فرح الكنيسة وذاكرة الوطن، وأعاد التأكيد أن البطريرك الحويك لم يكن فقط راعياً عظيماً، بل مؤسس كيان ورسالة وطن.