في الحروب، لا يكون الانتصار الحقيقي عندما تتوقف المعارك، بل عندما ينجح المنتصر في تحويل مكاسبه العسكرية إلى نظام سياسي وأمني جديد يمنع العودة إلى ما كان قائماً قبل الحرب.
وهذا بالتحديد ما يبدو أن الولايات المتحدة تحاول تحقيقه اليوم في لبنان.
فاللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يكن مجرد محطة بروتوكولية أو مناسبة لتأكيد دعم واشنطن للبنان، بل جاء في سياق استراتيجية أميركية أوسع تتجاوز الحدود اللبنانية، وتستهدف إعادة رسم التوازنات الأمنية في المشرق العربي.
ومن هنا، يصعب فهم ما يجري في لبنان بمعزل عما يجري في العراق وسوريا، أو عن التحولات التي تشهدها العلاقة الأميركية مع دول الخليج، أو عن إعادة تعريف موقع إيران ودورها في المنطقة.
لقد انتقلت واشنطن، على ما يبدو، من سياسة إدارة الأزمات إلى محاولة بناء نظام إقليمي جديد، يكون فيه احتكار الدولة للقوة المسلحة أحد مرتكزاته الأساسية.
الحرب كانت البداية… لا النهاية
اعتقد كثيرون أن هدف الحرب الأخيرة كان إضعاف حزب الله عسكرياً، لكن المؤشرات اللاحقة توحي بأن الحرب لم تكن سوى المرحلة الأولى من مسار سياسي وأمني أوسع.
الهدف لم يكن تدمير مخازن الصواريخ أو الأنفاق فحسب، بل خلق واقع جديد يسمح بإعادة تنظيم الجنوب اللبناني وفق قواعد مختلفة، وإعادة تثبيت سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.
ومن هنا جاء التحرك الأميركي السريع، والدفع نحو ترتيبات أمنية جديدة، وتعزيز دور الجيش اللبناني، وربط إعادة الإعمار باستعادة الدولة لسلطتها وإصلاح مؤسساتها.
الفراغ الذي تتركه الحروب لا يبقى فراغاً طويلاً، بل يملؤه مشروع سياسي جديد، أو تعود من خلاله أسباب الحرب السابقة.
ولهذا تبدو واشنطن مصممة على منع العودة إلى معادلة ما قبل الحرب.
من الاحتواء إلى إعادة البناء
لسنوات طويلة، تعاملت الولايات المتحدة مع حزب الله باعتباره مشكلة أمنية يمكن احتواؤها عبر العقوبات والضغوط السياسية.
أما اليوم، فتبدو المقاربة مختلفة.
لم يعد الهدف مجرد احتواء الحزب، بل إعادة بناء البيئة الأمنية اللبنانية بطريقة تجعل استمرار أي بنية عسكرية مستقلة عن الدولة أمراً بالغ الصعوبة.
ولهذا تتركز الجهود على أربعة عناصر مترابطة:
تعزيز انتشار الجيش اللبناني باعتباره القوة الشرعية الوحيدة.
إنشاء مناطق مستقرة وخالية من أي وجود عسكري خارج الدولة.
ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بالإصلاحات الأمنية والمؤسساتية.
منع إعادة بناء شبكات التسليح والإمداد عبر الحدود.
إنها سياسة تقوم على بناء الوقائع، لا الاكتفاء بإصدار البيانات.
لبنان ليس ملفاً منفصلاً
الخطأ الأكبر هو الاعتقاد أن ما يجري في لبنان شأن لبناني داخلي فقط.
فالتحولات نفسها تظهر في العراق، حيث تعمل الحكومة على حصر السلاح بيد الدولة، وإعادة تنظيم العلاقة مع الفصائل المسلحة، وتعزيز دور المؤسسات الرسمية.
وفي سوريا أيضاً تغيرت معادلات السيطرة على الحدود وطرق الإمداد، فيما أصبحت حرية الحركة التي تمتعت بها الشبكات العسكرية خلال العقدين الماضيين أكثر تقييداً.
وعندما تُقرأ هذه التطورات معاً، يتضح أنها ليست أحداثاً منفصلة، بل أجزاء من رؤية إقليمية واحدة تهدف إلى إعادة تشكيل المشرق العربي على أساس الدولة الوطنية، لا على أساس المحاور العسكرية العابرة للحدود.
الدور الأميركي… تثبيت لا إدارة
خلال العقدين الماضيين، اتُّهمت الولايات المتحدة بأنها تدير الأزمات أكثر مما تحلها.
أما اليوم، فتبدو أكثر ميلاً إلى تثبيت ترتيبات طويلة الأمد.
فالتحركات الدبلوماسية، والمفاوضات الجارية، والدعم المستمر للجيش اللبناني، والضغوط المرتبطة بإعادة الإعمار، كلها تشير إلى محاولة إنتاج نظام أمني مستدام، وليس مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار.
إذٌا أصبحت السياسة امتداداً للحرب، ولكن بأدوات مختلفة.
ماذا عن حزب الله؟
لا يزال حزب الله لاعباً سياسياً أساسياً، ويتمتع بتمثيل نيابي وشعبي، كما لا تزال لديه قدرات عسكرية لا يمكن تجاهلها.
لكن السؤال لم يعد يتعلق فقط بما يمتلكه اليوم، بل بطبيعة الحزب نفسها.
منذ تأسيسه عام 1982، لم يُبنَ حزب الله كحزب سياسي بالمعنى التقليدي، بل نشأ أساساً كتنظيم أمني وعسكري ذي عقيدة قتالية واضحة، قبل أن يضيف تدريجياً أدواراً سياسية وبرلمانية واجتماعية.
وبالتالي، لم يكن السلاح مجرد وسيلة من وسائل عمله، بل كان أساس هويته ومصدر شرعيته داخل بيئته الحاضنة، وركيزة دوره الإقليمي، والعنصر الذي قامت عليه بنيته التنظيمية وآليات اتخاذ القرار فيه.
لهذا، فإن أي انتقال نحو العمل السياسي الخالص لا يشبه تجربة انتقال الميليشيات التقليدية إلى أحزاب بعد انتهاء الحروب.
التحدي هنا ليس التخلي عن أداة، بل إعادة تعريف الحزب لنفسه.
فإذا أصبح السلاح خارج المعادلة، فما الذي سيبقى من النموذج الذي تأسس عليه طوال أكثر من أربعة عقود؟ وهل يستطيع أن يستمد شرعيته من برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي فقط، أم أنه سيكون مضطراً إلى إعادة صياغة عقيدته ودوره بالكامل؟
هذه الأسئلة ربما تكون الأكثر تعقيداً في المرحلة المقبلة، لأنها تتعلق بهوية الحزب أكثر مما تتعلق بقدراته العسكرية.
وفي المقابل، إذا استمرت القيود على الإمداد، وتوسع انتشار الجيش اللبناني، واستمرت عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة، فمن المرجح أن يتقلص هامش الحركة العسكرية للحزب تدريجياً، حتى وإن بقي لاعباً سياسياً أساسياً.
وهنا تكمن جوهر الاستراتيجية الأميركية: ليس إلغاء الحزب سياسياً، بل جعل السلاح يفقد وظيفته تدريجياً داخل النظام اللبناني الجديد.
هل نحن أمام "طائف أمني"؟
قد يكون من المبكر استخدام هذا الوصف، لكن المؤشرات توحي بأن لبنان يتجه نحو صيغة جديدة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والسلاح.
المسألة ليست توقيع اتفاق جديد، بقدر ما هي تطبيق فعلي للمبدأ الذي نص عليه اتفاق الطائف والدستور اللبناني منذ أكثر من ثلاثة عقود، وهو احتكار الدولة وحدها للقوة المسلحة.
واليوم تبدو الظروف مختلفة.
التغيرات الإقليمية، والتحول في أولويات المجتمع الدولي، والإرهاق الذي أصاب اللبنانيين بعد سنوات من الانهيار والحروب، كلها عوامل تدفع باتجاه إعادة الاعتبار للدولة كمؤسسة جامعة.
التحديات لم تنتهِ
ومع ذلك، فإن الطريق لن يكون سهلاً.فأي مشروع لإعادة بناء الدولة سيواجه مقاومة سياسية وأمنية، كما أن نجاحه يتوقف على قدرة المؤسسات اللبنانية على ملء الفراغ بسرعة، ومنع تحوله إلى مصدر جديد للفوضى.
كما أن أي تباطؤ في إعادة الإعمار أو أي انقسام داخلي قد يمنح القوى الرافضة للتغيير فرصة لإعادة إنتاج الوقائع السابقة.
ولهذا، فإن نجاح الاستراتيجية الأميركية لن يقاس بما حققته الحرب وحدها، بل بقدرة الدولة اللبنانية على النجاح حيث أخفقت خلال العقود الماضية.
لحظة تأسيسية
قد يختلف اللبنانيون حول تقييم الدور الأميركي أو حول مستقبل حزب الله، لكن ما يصعب إنكاره هو أن المنطقة تدخل مرحلة انتقالية غير مسبوقة.
الشرق الأوسط الذي تشكل بعد عام 2003 يقترب من نهايته، فيما تتبلور ملامح نظام جديد يقوم على تعزيز الدول الوطنية، وضبط الحدود، وربط الأمن بالاقتصاد والاستثمار والاستقرار.
ويقف لبنان اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة.
إما أن يستثمر هذا الزخم الدولي لاستعادة الدولة ومؤسساتها ودورها الطبيعي، وإما أن يسمح للخلافات الداخلية بإضاعة لحظة قد لا تتكرر لعقود.
النجاح لن يقاس فقط بقدرة الدولة على احتكار السلاح، بل أيضاً بقدرة القوى التي نشأت في زمن الحروب على إعادة تعريف أدوارها في زمن الدولة.
ويبقى السؤال الأكثر أهمية: هل يستطيع حزب وُلد من رحم العمل العسكري والأمني، وجعل من السلاح أساس هويته وشرعية وجوده، أن يتحول إلى حزب سياسي طبيعي في دولة طبيعية؟
قد يكون الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد ليس فقط مستقبل حزب الله، بل أيضاً مستقبل لبنان والنظام الإقليمي الجديد الذي يتشكل أمام أعيننا.