يقترب الوضع المضطرب في الضفة الغربية من حافة الانهيار مع تزايد هجمات المستوطنين الإسرائيليين على قرى فلسطينية، حيث تندلع مواجهات عنيفة، بالتوازي مع فرض الجيش الإسرائيلي قيودًا وإجراءات أمنية مشدّدة تُصعّب تنقّل الفلسطينيين في الضفة. وفي ظلّ هذا المشهد السوداوي، يُحذّر إسرائيليون وفلسطينيون ومتابعون للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني من تفجّر انتفاضة فلسطينية جديدة تكون هذه المرّة أكثر دموية من سابقتيها.
اعتقل الجيش الإسرائيلي عشرات الأشخاص في الضفة عقب أحداث يوم الجمعة في قرية تل، جنوب غرب نابلس، التي قُتل خلالها أربعة فلسطينيين وإسرائيليان. وأغلق الجيش الإسرائيلي، في وقت مبكر من يوم أمس، معظم مداخل القرية والقرى المجاورة ونابلس إغلاقًا جزئيًا أو كلّيًا، ما تسبّب في وقوف طوابير طويلة من السكان أمام نقاط التفتيش.
وقال أحمد رمضان، والد أحد الفلسطينيين الذين قُتلوا الجمعة، لوكالة "رويترز"، إن المستوطنين دأبوا على مضايقة أسرته في منزلهم الواقع على أطراف قرية تل. وكشف أن المستوطن الذي قُتل الجمعة، بيناياو ميليت، وهو جندي احتياط في الجيش الإسرائيلي، كان يعمل منسّقًا أمنيًا للمستوطنة المجاورة، حفات جلعاد، وكان قد جاء سابقًا إلى منزله وصرخ في وجهه، مطالبًا إيّاه بالمغادرة والذهاب إلى سوريا أو الأردن.
وأكد رمضان أنه لا ينوي المغادرة. ومضى قائلًا، وهو جالس في منزله مع أبنائه، إن القرية مستعدّة إذا عاد المستوطنون بقوّة، محذّرًا: "إذا نزلوا، فسنواجههم وجهًا لوجه، حتى لو قتلونا". والقرية واقعة في المنطقة (أ) من الضفة، وهي منطقة خاضعة للسيطرة الفلسطينية، يحظر على الإسرائيليين دخولها عمومًا.
وتأتي هذه الحادثة في سياق نمط متكرّر من الحوادث في أنحاء الضفة، حيث تظهر مجموعات كبيرة من المستوطنين بالقرب من التجمّعات السكنية الفلسطينية، وتهدّد سكانها وتضايقهم، مع وقوف قوات الأمن مكتوفة الأيدي في معظم الأحيان. وأصبح مثل هذا الاستعراض للقوّة أكثر تواترًا خلال الأشهر القليلة الماضية، في الوقت الذي يتحدّث فيه وزراء في حكومة نتنياهو علنًا عن ضمّ الضفة، التي احتلّتها إسرائيل في حرب 1967. وكثّفت الحكومة الإسرائيلية إصدار التراخيص لبناء مستوطنات جديدة.
وكان يمكن رؤية جذوع أشجار مقطوعة حديثًا في الحقول الواقعة على أطراف قرية تل. وأوضح السكان أن المستوطنين جاءوا وقطعوا أشجار الزيتون والتين بعد أعمال العنف التي حصلت الجمعة. وتشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى مقتل 18 فلسطينيًا في حوادث مرتبطة بهجمات المستوطنين منذ بداية هذا العام، مقارنة بـ 17 في عام 2025 بأكمله، بينما تفيد السلطة الفلسطينية بأن المستوطنين قتلوا 20 فلسطينيًا منذ بداية العام.
وتحدّث سكان عن حدوث مداهمات عسكرية يومية في قرية تل منذ الجمعة، اعتقلت القوات الإسرائيلية خلالها ما بين 60 و80 شخصًا. وكشف نائب رئيس المجلس القروي في تل، منذر أشتية، أن نحو 30 شخصًا لا يزالون رهن الاحتجاز. وفي الساعات الأولى من يوم أمس، أفاد السكان بأن الجيش طرد رجلًا من منزله الواقع على أطراف القرية، فيما رُصد جنديان واقفان على سطح منزل الرجل.
توازيًا، جاء في تقرير للإذاعة الإسرائيلية، أمس، أن هناك من يتحدّث بالفعل بمصطلحات الانتفاضة. وحذّر من "استعداد الفلسطينيين للخروج والانتفاض ضدّ دخول اليهود إلى القرى وضدّ استفزازات من قبل اليهود"، معتبرًا أن "حاجز الخوف لدى الفلسطينيين قد انكسر". وأكدت الإذاعة أن قادة المنظومة الأمنية "يرون أن الاحتمالات خطرة جدًّا". ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين أمنيين أن هناك سيناريوات عدّة للمواجهة المتوقّعة، منها خروج قرى فلسطينية بأكملها للانتفاض، واندلاع أعمال عنف واسعة.
ووجّه 600 من كبار القادة في الاحتياط، من الجيش الإسرائيلي والموساد وجهاز الأمن العام (الشاباك) والشرطة ووزارة الخارجية، رسالة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبيل لقائه المرتقب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، طالبوه فيها باتخاذ موقف حاسم ممّا يحصل في الضفة.