الياس دمّر

بين الأرجنتين وإنكلترا مباراة لم تنته منذ 40 عامًا في "The Match"

4 دقائق للقراءة

ليس من السهل صنع فيلم وثائقي شيق عن مباراة كرة قدم يعرف العالم تفاصيلها مسبقًا. لكن فيلم "The Match"، للمخرجَين خوان كابرال وسانتياغو فرانكو، نجح في تجاوز حدود الفيلم الرياضي التقليدي، ليقدّم قراءة سينمائية للتاريخ بقدر ما يقدّم قراءة لكرة القدم. فالمباراة الشهيرة بين الأرجنتين وإنكلترا في ربع نهائي "مونديال المكسيك" عام 1986، ليست هنا مجرد حدث رياضي يعاد استذكاره. هي نقطة التقاء بين السياسة والذاكرة الوطنية والهوية الجماعية، بعد أربع سنوات فقط من "حرب الفوكلاند" التي تركت جرحًا مفتوحًا في وعي البلدَين.


منذ مشاهده الأولى، يرفض "The Match" الوقوع في فخ النوستالجيا الرياضية. صحيح أن نظرية "يد الله" وهدف دييغو مارادونا الأسطوري يشكلان مركز السرد، لكنهما ليسا الغاية النهائية. فالفيلم ينطلق من تلك اللحظة ليعيد بناء قرنَين من العلاقات المتشابكة بين الأرجنتين وبريطانيا، واضعًا المباراة في سياق تاريخي أوسع، بحيث تبدو تسعون دقيقة من كرة القدم امتدادًا لصراعات سياسية وثقافية سبقتها بسنوات طويلة.

سينمائيًّا، يعتمد العمل على لغة بصرية أنيقة تتجاوز وظيفة الأرشيف بوصفه مادة توثيقية. اللقطات التاريخية لا تُستخدم لإثبات الوقائع فقط بل تعاد صياغتها داخل بناء بصري حديث يعتمد على التصوير بالأبيض والأسود للمقابلات، واللقطات القريبة جدًّا التي ترصد وجوه اللاعبين وهم يستعيدون ذاكرة تلك المباراة. هذا الخيار يمنح الاعترافات طابعًا إنسانيًّا مؤثرًا، ويحوّل التجاعيد ونظرات العيون إلى وثائق موازية للأرشيف المصوَّر، وكأنّ الزمن نفسه أصبح جزءًا من الصورة. وقد ساهم هذا الاستخدام التعبيري للصورة القريبة في قدرة الفيلم على منح الذاكرة حضورًا بصريًّا حيًّا.

ما يُحسب للفيلم أيضا أنه لا يكتفي بالرواية الأرجنتينية، رغم انتماء مخرجَيه إليها. فشهادات غاري لينيكر وبيتر شيلتون وجون بارنز تتجاور مع روايات خورخي فالدانو وأوسكار روغيري وخوليو أولارتيكويتشيا، لتشكل فسيفساء من الذكريات المتناقضة أحيانا، والمتكاملة أحيانا أخرى. وبدل أن يحاكم الشخصيات، يمنحها مساحة للتأمل في الماضي، فيصبح الوثائقي أقرب إلى حوار بين خصمَين سابقَين منه إلى محاكمة تاريخية. هذه الموازنة تمنح الفيلم نبرة تصالحية نادرة في الأعمال التي تتناول أحداثا مشحونة بهذا القدر من الحساسية.

إيقاع الفيلم هو أحد أبرز عناصر قوته. فمدته البالغة 91 دقيقة – في إشارة ذكية إلى زمن المباراة نفسها – تُستثمَر بكفاءة عالية، إذ تتنقل الكاميرا بين الأرشيف والمقابلات والخلفيات السياسية من دون أن يشعر المشاهد بالترهل أو التكرار. كما تساهم الموسيقى التصويرية والمونتاج في الحفاظ على توتر درامي مستمر، بحيث يبدو الوثائقي أقرب إلى فيلم تشويق تاريخي منه إلى درس في الرياضة.


محاكمة الصورة لا مارادونا

في سعيه إلى الربط بين الحرب والمباراة، يميل الفيلم أحيانًا إلى تضخيم الرمزية التاريخية على حساب تحليل البنية الرياضية للمواجهة نفسها. كما أنّ بعض الأسئلة الأخلاقية المرتبطة بمارادونا، ولا سيّما الجدل المستمر حول الهدف الشهير برمزية "يد الله"، تُطرح دون الغوص كفاية. إذ يبتعد الفيلم عن مناقشة اختلاف المنظور الثقافي بين الطرفين، مكتفيًا بإثارة التساؤلات أكثر من تقديم قراءات جديدة لها. غير أنّ هذا الخيار قد يكون مقصودًا، لأنّ الفيلم لا يسعى إلى إصدار أحكام بل إلى إظهار كيف تتحوّل الوقائع الرياضية إلى أساطير وطنية يصعب تفكيكها.

ويثبت "The Match" أنّ أفضل الأفلام الوثائقية الرياضية، ليست تلك التي تروي كيف فاز فريق أو خسر آخر، بل تلك التي تكشف كيف تستطيع مباراة واحدة أن تختصر تاريخ أمة كاملة. إنه فيلم عن الذاكرة أكثر مما هو عن كرة القدم، عن المصالحة أكثر مما هو عن الانتصار، وعن قدرة السينما على إعادة قراءة الأحداث التي ظن الجميع أنهم يعرفونها. يخرج المشاهد من الفيلم وهو يتذكّر المباراة، لكنه يفكّر أكثر في الإنسان، في التاريخ، وفي العبث الذي يجعل الحروب تنتهي أحيانًا… بينما تستمر المباريات إلى الأبد!

تُعرض هذه المباراة السينمائية المميزة حصريًّا في "سينما متروبوليس" (مار مخايل – بيروت).