تايلر بايجر

البيت الأبيض ينتقل من مستنقع الشرق الأوسط إلى مواجهة الصين

6 شباط 2021

المصدر: Politico Magazine

02 : 01

بدأ جو بايدن يتجه نحو محور آسيا، لكن يجب ألا يتوقع أحد منه أن يعبّر عن هذا التوجّه صراحةً. أعاد مستشار الأمن القومي، جايك سوليفان، هيكلة فريق الأمن القومي في الشرق الأوسط وآسيا، فعمد إلى تقليص الفريق المخصص لشؤون الشرق الأوسط وتوسيع الوحدة التي تُنسّق السياسة الأميركية في منطقة شاسعة تمتد من المحيط الهندي إلى المحيط الهادئ.

تشكّل الخطوة أعلاه، التي لم يتم الكشف عنها سابقاً، أحدث مؤشر على نيّة الإدارة الجديدة إعطاء الأولوية لآسيا في مبادراتها الخارجية. يعكس هذا التطور تسارع النمو الصيني في آخر عقدَين وتوسّع مخاوف المسؤولين والمشرّعين من مختلف الأحزاب، حول ما يفعله قادة بكين المستبدون لاستعمال قوتهم الناشئة.

استناداً إلى البنية الجديدة، يقول عدد من المسؤولين الحاليين والسابقين إن نطاق عمل مستشار شؤون المحيطَين الهندي والهادئ، كيرت كامبيل، بدأ يتوسّع مقابل تضييق المساحة التي يشرف عليها منسّق شؤون الشرق الأوسط بريت ماكغورك.

هذه التعديلات قد تغيّر بنية مجلس الأمن القومي بالشكل الذي بدا عليه في عهد أوباما، فقد كان الفريق المعني بالشرق الأوسط حينها أكبر بكثير مما هو عليه اليوم وكان الملف الآسيوي تحت إشراف مجموعة من الموظفين الأقل مرتبة. ترافقت ولاية أوباما الثانية مع مجموعة تهديدات على مستوى الأمن القومي وأعطت الأولوية لمسائل مشتقة من الشرق الأوسط، بدءاً من تنظيم "داعش" واتفاق إيران النووي، وصولاً إلى الصراعات في ليبيا وسوريا وأزمة التهجير الناجمة عنها في أوروبا.

لكن يقول مسؤولون حاليون وسابقون في مجال الأمن القومي إن بايدن وأعضاء فريقه يظنون الآن أن أكبر التحديات الأمنية ستنجم عن المنافسة المزعومة بين القوى العظمى، وتحديداً الولايات المتحدة والصين وروسيا، لذا بدأوا يحوّلون مواردهم إلى اتجاه مختلف.

يوم الإثنين الماضي، أعلنت الســكرتيرة الصحفية للبيــــــت الأبيض، جين بساكي: "لقد لاحظنا في السنوات القليلة الماضية أن الصين تزداد استبداداً في الداخل وتزداد نفوذاً في الخارج. بدأت بكين الآن تتحدى أمننا وازدهارنا وقِيَمنا بدرجة كبيرة، لذا تبرز الحاجة إلى تطبيق مقاربة أميركية جديدة".

يريد فريق بايدن أيضاً أن يتجنب الغرق في مستنقع آخر من الشرق الأوسط ويقوي تحالفاته الأساسية في آسيا وأوروبا، بعدما تم إهمالها أو رفضها خلال عهد الرئيس دونالد ترامب بحسب رأي هذا المعسكر.

يقول مسؤول سابق في عهد أوباما: "نظراً إلى بنية فريق مجلس الأمن القومي، أظن أن المسؤولين فيه مصمّمون على التمسك بأولوياتهم الأساسية بدل الانجرار إلى شؤون الشرق الأوسط". تُعتــــبر قناعات ســــوليفان المهنية عاملاً مؤثراً في هذا المجال نظراً إلى التشــــــابكات الحاصلة بين الازدهار الاقتصادي في الولايات المتحدة وآسيا، إذ يهتم سوليفان مثلاً بجعل السياسة الخارجية تصبّ في مصلحة الطبقة الوسطى الأميركية.


أحد مراكز التسوّق في بكين أثناء حفلة تنصيب بايدن / 21 تشرين الثاني 2021



يوضح كريم سجادبور، خبير في شؤون الشرق الأوسط في "مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي": "يُعتبر نقل الموارد السياسية من الشرق الاوسط إلى آسيا انعكاساً أفضل للوقائع الاقتصادية الأميركية".

يضيف سجادبور: "تؤثر سياسة آسيا مباشرةً على المزارعين الأميركيين والمؤسسات وشركات التكنولوجيا الأميركية بطريقة لا تفعلها منطقة الشرق الأوسط نظراً إلى موارد الطاقة المحلية في الولايات المتحدة. بعد تمضية عقدَين مؤلمَين في العراق وأفغانستان، يتراجع الدعم الشعبي في أوساط الجمهوريين والديمقراطيين معاً لإطلاق عمليات أخرى من هذا النوع في الشرق الأوسط".

اتّضحت الأولويات الجديدة التي يهتم بها فريق بايدن حين بدأ يتواصل مع حلفاء أساسيين في أوروبا وآسيا. أجرى سوليفان مكالماته الأولى، بعد يوم على تنصيب بايدن، مع نظرائه في فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة واليابان وفق سجلات المحادثات في مجلس الأمن القومي، كما أنه تكلم مع مستشار الأمن القومي في كوريا الجنوبية. أما بايدن، فقد أجرى اتصالاته الأولى مع قادة كندا والمكسيك وبريطانيا وتكلم مع رئيس الوزراء الياباني يوشيهيدي سوجا هذا الأسبوع. على صعيد آخر، تواصل سوليفان مع نظيرَيه في أفغانستان وإسرائيل، لكن لم يتواصل بايدن بعد مع رئيسَي هذين البلدَين وفق مصادر مطّلعة في البيت الأبيض.

استناداً إلى المعطيات الراهنة، سيتولى ماكغورك والمديرة الأدنى مستوى منه، باربرا ليف، ملف الشرق الأوسط. في غضون ذلك، استلم ثلاثة مدراء بارزين ملف منطقة المحيطَين الهندي والهادئ الذي يشرف عليه كامبيل، وهم لورا روزنبيرغر بصفتها كبيرة مدراء الشؤون الصينية، وسومونا جوها بصفتها كبيرة مدراء شؤون جنوب آسيا، وأندريا كيندال تايلور بصفتها كبيرة مدراء شؤون روسيا وآسيا الوسطى. خلال عهد أوباما، لم يصل الملف الصيني في مجلس الأمن القومي إلى هذا المستوى الإداري الرفيع، ولم يُخصَّص أي مُنسِّق شامل لملف آسيا وفق معلومات المسؤول السابق.

في إشارة إلى التوسّع المستجد في ملف آسيا داخل مجلس الأمن القومي، يضيف المسؤول السابق في عهد أوباما: "هذا التوجه هو امتداد للانتقال إلى محور آسيا من دون الإعلان عن ذلك صراحةً".

في العام 2011، أعلن أوباما أنه أعطى تعليماته إلى فريق الأمن القومي لجعل الحضور الأميركي والمهام الأميركية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ على رأس الأولويات، ولَفَت إلى ضرورة أن تُجدّد الولايات المتحدة توازن أولوياتها بعيداً من أوروبا والشرق الأوسط بعد إهمال صعود الصين المتسارع. عُرِف هذا التحول باسم "التوجه نحو محور آسيا" بعدما أعلنت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون أن الولايات المتحدة تقف أمام "مرحلة محورية" في ظل انحسار الحرب في العراق وأفغانستان.

كان كامبيل، الذي يشرف اليوم على ملف منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، عنصراً محورياً من الاستراتيجية الجديدة بصفته مساعد وزير الخارجية في شؤون شرق آسيا والمحيط الهادئ خلال عهد أوباما. لكن بقي نجاح هذه الاستراتيجية مختلطاً وشكّك بها عدد كبير من الحلفاء في الشرق الأوسط وأوروبا.

يقول المسؤول السابق إن إعادة الهيكلة الضمنية بدت متعمدة، فقد حصلت من دون إحداث أي ضجة أو الإدلاء بتصريحات صاخبة عن وجهة السياسة الخارجية الجديدة: "شاهدنا تفاعلاً واضحاً حين تكلم أوباما علناً عن "التوجه نحو آسيا". قد لا نحصد الإشادة نفسها في آسيا لكننا لن نواجه هناك ردوداً عكسية بقدر الشرق الأوسط. لذا من الأفضل تنفيذ هذه المقاربة عملياً بدل الاكتفاء بالتكلم عنها".

لكن لا يقتصر هذا التحول الواضح على مجلس الأمن القومي. بل يتوزع خبراء الشؤون الآسيوية في جميع أقسام الإدارة الجديدة اليوم، بما في ذلك وزارة الدفاع، حيث عُيِّن إيلي راتنر كمستشار أساسي لوزير الدفاع لويد أوستن في الشؤون الصينية، وعُيّنت كيلي ماغسامين كبيرة الموظفين في فريق أوستن بعدما كانت نائبة مساعد وزير الدفاع لشؤون آسيا والمحيط الهادئ حتى العام 2017.

يدرك أوستن، وهو رئيس القيادة المركزية للولايات المتحــدة سابقاً، أن إدارة بايدن تريـد أن تغيّر أولويات البنتاغون وتُوجّهها شرقاً. قال أوستن خلال جلسة المصادقة على تعيينه: "على الساحة العالمية، أتفهم أن تكون آسيا محور جهودنا. ستطرح الصين أكبر تهديد في المراحل المقبلة لأنها تتابع تقدمها".

كانت واحدة من أولى مهام أوستن في منصبه الجديد تقضي بتعيين ثلاثة مستشارين متخصصين بمسائل أساسية: الصين، ووباء "كوفيد-19"، والمناخ. كان لافتاً أن يغيب ملف الشرق الأوسط عن هذه التعيينات.

في وزارة الخارجية الأميركية، عُيّنت الخبيرة في شؤون آسيا والمحيط الهادئ، ميرا راب هوبر، كمستشارة بارزة في الشؤون الصينية في فريق التخطيط السياسي وفي الأمم المتحدة. وعُيّن جيفري بريسكوت نائب السفيرة لدى الأمم المتحدة بعدما كان نائب مستشار الأمن القومي وكبير المستشارين في شؤون آسيا داخل فريق بايدن حين كان نائب الرئيس.

زاد التشديد على آسيا غداة الحملة الرئاسية للعام 2020 حيث كان الموضوع الصيني محورياً، فحاول كلٌّ من ترامب وبايدن التفوق على الطرف الآخر عبر التكلم عن الفريق الذي سيكون أكثر صرامة مع بكين. كتب بايدن في افتتاحية لصالح صحيفة "فورين أفيرز" في السنة الماضية ما ينوي فعله "لإنقاذ" السياسة الخارجية الأميركية بعد عهد ترامب، فقال: "تطرح الصين تحدياً من نوع خاص. لقد أمضيتُ ساعات عدة مع قادتها وأدرك جيداً حقيقة ما نواجهه". لكن تَقِلّ المسائل التي يستطيع بايدن السيطرة عليها. لم يتوقع الرئيسان جورج بوش الإبن وباراك أوباما مثلاً اندلاع حرب العراق أو نشوء أحداث الربيع العربي حين كانا يحددان أولويات السياسة الخارجية في أول ولاية رئاسية لهما.

أخيراً، يقول أحد الخبراء في السياسة الخارجية: "تبدأ كل أجندة مرتبطة بالسياسة الخارجية ببند التوجّه نحو آسيا وتنتهي بالعودة إلى مستنقع الشرق الأوسط. قد لا يكون القادة مهتمين بخوض الحرب، لكنّ الحرب هي التي تناديهم. لن أتفاجأ حين تبدأ الحروب بهذه الطريقة، لكن تبقى الظروف غير متوقعة بأي شكل".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.