دخلت شبكة النفوذ الخارجية لجماعة "الإخوان المسلمين" مرحلة جديدة من الضغوط الدولية، بعدما فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على محمود الإبياري، أحد القيادات البارزة في التنظيم الدولي للجماعة، في خطوة تعكس انتقال المواجهة من استهداف الأفراد إلى ملاحقة البنية التي تمنح التنظيمات العابرة للحدود القدرة على التمويل والتأثير وإعادة إنتاج حضورها.
لم يستهدف القرار الأميركي الإبياري وحده، بل جاء ضمن مقاربة أوسع طالت أفرادًا وكيانات قالت وزارة الخزانة الأميركية إنها ساهمت في توفير دعم مالي لحركة "حماس"، من بينها جهات وصفتها بأنها واجهات لجمع التبرّعات وتحويل الأموال إلى الجناح العسكري للحركة. وأوضحت واشنطن أن الإبياري، المقيم في المملكة المتحدة، يشغل منصب الأمين العام للأمانة العامة لجماعة "الإخوان المسلمين"، متهمة إيّاه بالمساعدة في جمع أموال لصالح مؤسسات مرتبطة بـ "حماس".
يُعدّ الإبياري، المولود عام 1952، من الشخصيات التي برزت داخل البنية التنظيمية الخارجية لـ "الإخوان"، بحيث تولّى مواقع قيادية وصولًا إلى منصب الأمين العام للأمانة العامة للتنظيم الدولي عام 2023. وتنظر واشنطن إلى موقعه داخل التنظيم باعتباره مرتبطًا بإدارة ملفات مالية وتنظيمية خارجية، فيما تشير تقارير إلى أن وجوده في أوروبا منحه دورًا ضمن منظومة العمل الخارجي للجماعة التي تجمع بين النشاط التنظيمي والسياسي والإعلامي. وتحظى الساحة البريطانية باهتمام خاص في هذا الملف، باعتبارها إحدى أبرز البيئات الأوروبية التي استضافت شخصيات ومنصّات مرتبطة بالتنظيم في الخارج، وسط استمرار الجدل حول طبيعة تعامل لندن مع الجماعة، خصوصًا أنها لم تصنفها حتى الآن منظمة إرهابية.
وتكمن أهمية العقوبات الأخيرة في أنها لا تستهدف حركة الأموال فقط، بل الدور الذي تؤديه الموارد المالية في بناء منظومة نفوذ متكاملة. فالتمويل يشكّل الأساس الذي يسمح بتشغيل المؤسسات، ودعم المنصّات الإعلامية، وتوسيع الحضور السياسي والتنظيمي خارج الحدود. وتقوم المقاربة الأميركية على أن مواجهة هذه الشبكات لا تقتصر على ملاحقة الأشخاص، بل تمتدّ إلى البنية التي توفّر الغطاء المالي والتنظيمي والإعلامي لاستمرار النفوذ وإعادة إنتاجه في بيئات مختلفة.
وتجدر الإشارة إلى أنه لا يُمكن فصل الملف الإعلامي عن المسار المالي، إذ أصبحت المنصّات والقنوات الخارجية جزءًا من منظومة النفوذ التي تحتاج إلى موارد مستمرّة للحفاظ على حضورها وتأثيرها. وخلال السنوات الماضية، برزت منصّات إعلامية مرتبطة بقيادات وشخصيات محسوبة على تيارات "الإخوان" في الخارج، خصوصًا في أوروبا، حيث استفادت من البيئة الإعلامية المفتوحة لتوسيع حضورها وبناء خطاب سياسي عابر للحدود. وتشير تقارير إلى أن بعض هذه المنصّات تجاوز الدور الإعلامي التقليدي وتحوّل إلى جزء من الصراع السياسي، عبر خطاب يستهدف سياسات دول عربية، خصوصًا مصر والإمارات، في وقت تؤكد فيه هذه الدول أهمية مواجهة تيارات الإسلام السياسي والتطرّف وخطابات التحريض والعنف.
بالفعل، برزت تجارب عربية اعتمدت منذ سنوات مقاربة تقوم على تجفيف مصادر التمويل ومواجهة التنظيمات العابرة للحدود. وتُعدّ الإمارات من أوائل الدول العربية التي تبنّت سياسة مبكرة لمواجهة التطرّف والإرهاب، وحذّرت في مواقفها الرسمية من مخاطر جماعات الإسلام السياسي، معتبرة أن استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية يهدّد استقرار الدول. كما عزّزت الإمارات تشريعاتها وإجراءاتها الأمنية لمكافحة تمويل الإرهاب وملاحقة الأنشطة المرتبطة بالتنظيمات المتطرّفة، ضمن سياسة تقوم على الوقاية والتعامل المبكر مع مصادر التهديد .
في المحصّلة، تكشف العقوبات الأميركية على الإبياري والشبكات المرتبطة به تحوّلًا في طريقة التعامل مع التنظيم الدولي لـ "الإخوان": من التركيز على القيادات إلى استهداف الأدوات التي تمنح التنظيم القدرة على الحركة وإعادة بناء النفوذ. فالمال والمؤسسات والمنصّات الإعلامية لم تعد ملفات منفصلة، بل أصبحت حلقات مترابطة ضمن شبكة تأثير عابرة للحدود. ومع تشدّد الرقابة الدولية على مسارات التمويل والإعلام والنفوذ، تدخل هذه الشبكات مرحلة اختبار جديدة لقدرتها على الاستمرار وإعادة التموضع في بيئة دولية أكثر صرامة.