هو الأول من آب، الجيش اللبناني يُحْيِ ذكرى تأسيسه وسط تحديات تفوق قدرته على أداء رسالته، سواء بفعل الاعتداءات الإسرائيلية، التي لا تلتزم باتفاقاتٍ أو خطوطٍ حمر أو قوانين دولية وشرعة حقوق انسان، وسواء بفعل إصرار "حزب الله" على البقاء فصيلا تابعًا للحرس الثوري، يأتمر بما تمليه عليه مرجعيته الإيرانية، إن لجهة الاحتفاظ بسلاح خارج الشرعية والمؤسسات الأمنية اللبنانية، أو باستجرار كل ما يورط لبنان، وحيثما تتطلب مصلحة مرجعيته، أو بالعصيان المعلن وغير المعلن عبر الممارسات والضغوط لإفشال جهود الجيش اللبناني في استرداد السيادة، ليس فقط في الجنوب، وإنما حيث استطاع إلى ذلك سبيلا.
وكأن ما تقوم به إسرائيل لا يكفي، وكأن المتغيرات والتطورات الإقليمية لا تنم عن خطورة ودقة ما يُرسم للمنطقة من مشاريع. وإن لم تعمل الدولة اللبنانية على حماية الوطن من تبعاتها بما تملك من أدوات متواضعة وبنشر جيشها وسع حدودها، وصولا إلى تحقيق وقف العمليات الحربية، التي تنتهك الجنوب، سيبقى لبنان ساحة قتال بديلة لإيران العاجزة عن تحقيق أي إنجاز بمواجهة الحرب الأميركية، لذا لا تتوانى عن تفجير المنطقة.
وعدا الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، وصولا إلى مصر، يبقى مشروعها في لبنان وكأنه مسألة وجود حيوية، تقتضي مصادرة سيادة الدولة اللبنانية، وحتى إلغاء الكيان، لتبقى قبضة "حزب الله" وحدها المتحكمة بها.
فالمتابع لأدبيات "الحزب"، يلاحظ الشطب المستجد لعبارة "الدولة"، واستبدالها بعبارة "السلطة"، كما فعل النائب عن "أمته" حسن فضل الله، الذي لا يرى في رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة تمثيلا للدولة اللبنانية، وإنما "سلطة حالية في لبنان لا تطمئن شعبها، ولا تسعى لحمايته وتحرير أرضه والدفاع عن سيادته"... "لأنها سلطة ملتزمة مسبقًا ببرنامج خارجي عنوانه إضعاف المقاومة، ونزع سلاحها". وكأنه بذلك يصف حزبه.
وغني عن التذكير بأن التمييز بين الدولة والسلطة، غير موجود في قاموس فصائل الحرس الثوري، أينما تم زرعهم، المهم لديهم هو الوصول إلى السلطة، وإن عن طريق الانتخابات، ليسارعوا إلى السيطرة على الدولة وإداراتها ومؤسساتها وأجهزتها لصالح مرجعيتهم.
والترويج لإحلال السلطة مكان الدولة ليس بريئًا، فهو يُرسِّخ في أذهان من يدور في فلك "الحزب"، بأن الدولة هي أداة قمع، وليست مؤسسات لإدارة شؤون المواطنين، وفق معادلة الحقوق والواجبات، والالتزام بالقرارات الرسمية.
وهذه المعادلة لا تناسب مشاريع "الحزب" ومرجعيته، لذا يكره "الدولة" المفروض التقيد بقراراتها ويحب "السلطة"، التي ووفق مفهوم نائب أمته، إن لم تكن بيد مرجعيته، تصبح وسيلة للاقتصاص ممن يخالفها الرأي، وخائنة تعمل لمصلحة العدو. أما إذا كانت بيد إيران، ووفق مواصفاتها الطائفية والعسكرية والمالية، وبعدَّة الشغل القائمة على تأجيج الغرائز الطائفية، فحينها يصبح مضمونًا استمرار "السلطة"، ليبقى لبنان في قبضتها، ويٌمنع على اللبنانيين "كنف دولة".