بعد ست سنوات من انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، لا تزال الحقيقة غائبة، والعدالة مؤجَّلَة، فيما يحمل أهالي الضحايا والناجون جراحًا لم تلتئم. لم يكن الانفجار مجرد كارثة دمّرت مدينة وأزهقت أرواحًا، بل شكّل نقطة تحوّل في تاريخ لبنان الحديث، وكشف عمق أزمة الإفلات من العقاب وانهيار مؤسسات الدولة. وفي خضم هذا المشهد، يأتي كتاب "The Person She Was Is Dead" (الشخص الذي كانت عليه قد مات) للمحامية يولا كيروز، الصادر باللغة الإنكليزية عن "دار سائر المشرق"، إحياءً لذكرى ضحايا الانفجار، ليقدّم شهادة إنسانية وقانونية توثّق وجع الضحايا وصمود عائلاتهم، وتسلّط الضوء على الدور الاستثنائي للنساء اللواتي حوّلن الألم إلى قوة، والحزن إلى نضال مستمر من أجل الحقيقة والعدالة والمساءلة. هنا فصل مُعرَّب من الكتاب تنشره "نداء الوطن".
إنّ مسيرة البحث عن الحقيقة والعدالة والمساءلة لضحايا انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020 لم تنتهِ بعد، وما زالت بعيدة عن نهايتها. إلا أنّ الجهود الدؤوبة التي بذلتها النساء اللواتي لا يعرفن الكلل ولا الاستسلام، وحوّلن ألمهنّ إلى قوة، وحزنهنّ إلى صمود، وأصواتهنّ إلى نداء لا يمكن إسكاتُه للمطالبة بالعدالة، لن تذهب سدىً أبدًا.
فبفضل إصرارهنّ الذي لا يتزعزع، أعادت هؤلاء النساء الشجاعات صياغة رواية المأساة، وحوّلنها إلى حركة حيّة ترفض الصمت، مهما تكاثرت العقبات أو تعاظمت القوى التي تسعى إلى طمس الحقيقة. لقد أصبحت مطالبتهنّ بالمساءلة، ونضالهنّ ضد الإفلات من العقاب، وتمسّكهنّ باستقلال السلطة القضائية، ركائز يقوم عليها أمل جديد للبنان؛ أمل في أن يأتي اليوم الذي تُسمع فيه صرخات العدالة، وتنكشف فيه الحقيقة، ويُحاسَب فيه المسؤولون عن هذه الجريمة.
إنّ كفاحهنّ ليس شاهدًا على قوتهنّ وحدها، بل هو أيضًا شاهد على قوة وطن بدأ يستفيق ببطء على ضرورة التغيير والإصلاح، وعلى بناء مستقبل يقوم على العدالة والمساواة واحترام حقوق الإنسان.
لقد أُهدي هذا الكتاب إلى النساء اللواتي أصبحن محاربات في سبيل الحقيقة، وهو نداء مدوّ إلى العالم بأسره: لا يجوز أن تُنسى معركة لبنان من أجل العدالة. فهي معركة تتجاوز الحدود، وتربط مطالبة لبنان بالحقيقة بالنضال العالمي من أجل حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية وإخضاع أصحاب السلطة للمساءلة.
ومع إسدال الستار على هذا الفصل، علينا أن نتذكر أنّ المعركة لا تنتهي هنا. فالطريق أمامنا طويل وشاق ومثقل بالتحديات. لكن مع كل خطوة، يقترب اللبنانيون، مستلهمين شجاعة أصوات هؤلاء النساء، من العدالة التي حُرموا منها طويلا. وستظل صرخات الأبرياء، والمطالبة بالحقيقة، والأمل في قيام لبنان خالٍ من الفساد، تتردد في أرجاء العالم، داعيةً المجتمع الدولي إلى التحرّك، وإلى تقديم الدعم، وإلى عدم إدارة ظهره لهذه القضية.
وفي نهاية المطاف، لن تولد نهضة لبنان من أيدي السياسيين أو أصحاب النفوذ، بل ستنبع من الشعب نفسه؛ من النساء والرجال الذين يرفضون الاستسلام، ويطالبون بالمحاسبة، ويناضلون من أجل المستقبل الذي يستحقونه. ولن تُنسى عائلات الضحايا، كما لن يُنسى سعيها الدؤوب إلى الحقيقة. ومعًا، لن يعيدوا بناء ما تهدّم من حجارة بيروت فحسب، بل سيعيدون بناء الروح الأخلاقية للأمة، وسيؤسسون لبنانًا تكون فيه العدالة حقيقةً حيّةً نابضةً، لا مجرد مفهوم نظري.
ستنهض الحقيقة. وستنتصر العدالة. وسيولد لبنان من جديد، أكثر قوةً، وأكثر حكمةً، وأكثر وحدةً من أي وقت مضى. ولكن لكي يتحقق ذلك، لا بدّ أن يقف العالم إلى جانبهم. فمعًا، سنضمن ألا تذهب تضحيات الضحايا وشجاعة عائلاتهم سدى.
"سيحاربوننا، لكن إذا كنّا أذكياء ومركّزين، فسنصل إلى ما نصبو إليه. إنّ التغيير الذي نريده لا يأتي بسهولة، بل يحتاج إلى الوقت" (جدعون، 2023).
ينبغي أن تتجذّر العدالة في المكان الذي وقع فيه الضرر: في قلوب وأيدي وأرواح أولئك الذين أصابهم الجرح الأعمق. عندها فقط يمكن أن تكون عدالةً حقيقيةً ودائمة.
في الرابع من آب 2020، أبصر الطفل جورج خنيصر النور في اللحظة نفسها التي كانت فيها أرواح لا تُحصى تُنتزع من الحياة. فقد وضعته والدته في مستشفى دمّره الانفجار، وسط الدماء وصرخات الألم ورائحة الموت ومشاهد الرعب. فتح جورج الصغير عينيه على ضوء الهواتف المحمولة، بينما كان أطباء جرحى وممرضات يعتصرهنّ الخوف يسهرون على ولادته. لقد وُلد بين الأنقاض، من رحم المأساة، في مواجهة الموت ذاته.
ولا بدّ أن تنبض الحياة من جديد في قلوبنا، وأن يُدفن الفساد الدنيء إلى غير رجعة، حتى ينهض مكانه شيء نقي وجميل. فهذا الطفل، بما يجسّده من حياة هشّة جديدة، هو رمز لبنان الذي ما زال يناضل كي يولد من جديد؛ لبنان يستطيع فيه كل طفل، بمن فيهم جورج، أن يحلم بحرية، وأن يعيش بكرامة، وأن يكبر معتزًا بوطنه.
وفي ذلك اليوم نفسه، بينما كان الموت يلقي بأشدّ ظلاله سوادًا، زُرعت أيضًا بذرة أمل. ففي أيلول 2023، توّج ويليام نون وماريا فارس، شقيقا اثنين من ضحايا الانفجار، قصة صمودهما بالزواج. وفي الثاني عشر من كانون الثاني 2025، استقبلا مولودهما جو نون، الذي حمل اسم عمّه الشهيد، رجل الإطفاء الراحل، تخليدًا لذكراه. ومن رحم الحزن، تنفّست حياة جديدة أملا في وطن أنهكه الألم.
"أرجوكِ، عودي إلى الحياة"، همس والدا ألكسندرا نجّار مرارًا وتكرارًا.
عودي إلى الحياة لتنقذي هذا الوطن، ولتجعلي من رحيلك شرارةً للتغيير.
عودي إلى الحياة كي تتحقق العدالة لهؤلاء الناس.
عودي إلى الحياة كي تنتصر الحقيقة، وينتهي الفساد.
عودي إلى الحياة كي تحيا بيروت وأهلها بكرامة، ويتمتعوا بحقوقهم، لا أن يكتفوا بأداء واجباتهم.
