مرّ الخبر مرور الكرام في عجقة الأحداث اللبنانيّة: عبد بلّوط، منفّذ الهجوم الإرهابي الأخير في برلين، الذي وقع قبل أيّام، من أصول لبنانيّة. الأخبار عنه ليست واضحة تمامًا. المتداول أنّ عائلته شيعيّة، وأنّ بلّوط متأثّر بأيديولوجيا "داعش". ليس واضحًا كيف حصل الانتقال من الأصل الشيعي إلى التشدّد السنّي. وما هو واضح، في المقابل، أنّ الصحافة العالميّة ذكرت أن الإرهابي لبناني الأصل، وأن اسم بلادنا وسمعتها ارتبطا مجدّدًا بالإرهاب.
عبد بلّوط يعيد إلى الذاكرة فورًا اسم إرهابي آخر أصله من لبنان الكبير: هادي مطر. والخبر عن مطر مرّ بدوره مرور الكرام، مع أنّه يستحقّ التوقّف عنده. وُلد مطر لعائلة لبنانيّة شيعيّة في الولايات المتّحدة. وكان عمره 24 سنة عام 2022، عندما حاول قتل الكاتب الشهير سلمان رشدي، تنفيذًا لفتوى بهدر دمه أصدرها الخميني قبل عقود. نجا رشدي، لكنّه فقد عينه. والمثير للاهتمام في هذه المسألة ما كشفته والدة مطر للصحافة الأميركيّة، لجهة أنّ ابنها كان يعيش حياة طبيعيّة إلى أن أمضى شهرًا في مسقط رأس والده، في بلدة يارون الجنوبيّة، وهي معقل من معاقل "حزب الله". وأضافت والدة مطر أنّ ابنها عاد من الزيارة شخصًا مختلفًا، إذ تديّن كثيرًا، وبات مهجوسًا بمسائل الإسلام والقضايا السياسيّة، ومؤيّدًا لإيران، ومعجبًا بالحرس الثوري. وفصلت سنوات قليلة بين زيارة مطر ليارون وهجومه على رشدي، حافظ خلالها على الأيديولوجيا التي تشرّبها في يارون. وقد ذكرت تقارير أنّه لقّب نفسه، في رخصة القيادة، بـ "حسن مغنية"، إعجابًا بحسن نصر الله وعماد مغنية.
والحال أنّ باع الجماعات التي ضمّها لبنان الكبير إليه، بكلّ ثقة بالنفس، في الإرهاب طويل. معلوم أنّ جماعة نمور التاميل في سريلانكا استعملت الهجمات الانتحاريّة بكثافة في صراعها مع حكومة البلاد. وما ليس معلومًا بما يكفي، ربّما، هو أنّ نمور التاميل تأثّروا بتجربة "حزب الله" في الهجمات الانتحاريّة مطلع الثمانينات. وهناك تقارير غير مؤكّدة تفيد بأنّ "الحزب" قدّم فعلا المساعدة للنمور. عمومًا، شكّل الشطر المسلم من بيروت، خلال الثمانينات، عاصمة للإرهاب العالمي، حيث تدرّبت كوادر من الجيش الأحمر الياباني، وبادر–ماينهوف الألمانيّة، والجيش السرّي الأرمني، وتنظيمات شيعيّة مختلفة تابعة لإيران. وهناك من الإرهابيّين من تقاعد في لبنان، ومنهم المجرم كوزو أوكاموتو، بطل عمليّة اللدّ المشينة، التي قضى فيها أوكاموتو وقاتلان آخران من الجيش الأحمر الياباني على 26 شخصًا، جلّهم من المدنيّين، بمن فيهم 17 حاجًّا مسيحيًّا من بورتو ريكو كانوا يزورون الأراضي المقدّسة، وشاء حظّهم العاثر أن يكونوا في المكان الغلط، في الساعة الغلط، يوم هاجم مطار اللدّ نشامى فلسطين الميامين.
ولا تتّسع هذه العجالة لسرد كلّ العمليّات الإرهابيّة التي ربطت اسم لبنان بالإرهاب العالمي، وكل أبطالها، طبعًا، من خارج متصرّفيّة جبل لبنان. العشرات من المسلمين اللبنانيّين في أستراليا، مثلا، تركوها للالتحاق بـ "داعش". وقد قال وزير الداخليّة الأسترالي بيتر داتون، قبل سنوات، إنّ بلاده ارتكبت خطأ عندما شرّعت أبوابها للبنانيّين في السبعينات.
كلّ ما سبق غيض من فيض التاريخ الإرهابي للبنان الكبير. وسمعة بلادنا في الخارج مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بقتلة إرهابيّين، فضلا، طبعًا، عن ارتباطها بحروبنا الأهليّة وأزماتنا التي لا تنتهي. لم تكن الأمور دومًا هكذا، بالمناسبة. الرحّالة الأوروبيّون الذين زاروا جبل لبنان في القرن التاسع عشر أطنبوا في مديحه: جيرار دو نيرفال، ولامارتين، وشاتوبريان، وفولني، على سبيل المثال لا الحصر. حصل ذلك، طبعًا، في زمن سابق لخيار البطريرك الياس الحويّك – طوباه! – إخراج الجبل من عزلته المارونيّة صوب الفضاء الأوسع للبنان الرحب، الكبير. بعدها، بدل أن نشرّع أبوابنا للامارتين وشاتوبريان، فتحناها لكوزو أوكاموتو، ومصطفى شمران، وياسر عرفات. أمّا سمعتنا في العالم، المتناسبة مع ضيوف كهؤلاء، فلا تظلمنا: مشروع كهذا يستحقّ تمامًا سمعة كهذه.