د. أنطوان مسرّه

دولة لبنان الكبير في غياب لبنانيين كبار "Grand- Libanais"

7 دقائق للقراءة
أيقونة الطوباوي البطريرك الياس الحويّك

يحصل تطويب البطريرك الياس الحويك في زمن حيث يفتقر لبنان إلى رؤية ومنهجية علمية وواقعية تطبيقية وانسياق مستمر في خطاب السوق. ورد تكرارًا في خطاب الجنرال غورو لدى إعلان دولة لبنان الكبير تعبير Grand-Libanais. ترجم هذا التعبير إلى "سكان لبنان الكبير" في حين أن الجنرال غورو لم يستعمل Habitants du Grand Liban.

هل نحن لبنانيون كبار في دولة لبنان الكبير؟ ما زلنا صغارًا في غرائزنا في الاستقواء وعقدة الباب العالي والتموضع والتذاكي والتكاذب والمساومة والمعليشية وعلى مسافة واحدة من الجميع في واقع دولتين في لبنان، دولة رسمية شرعية ودولة رديفة لها جيشها ودبلوماسيتها! أكثر الكتابات التي تبدو تاريخية وجامعية والتي هي معارضة أو مشكّكة في إعلان دولة لبنان الكبير تمارس نوعًا من الهذيان في علم النفس التاريخي وحكاك ذهني démageaison، وفشة خلق في ما يتعلق باستقرار لبنان وديمومته وشروط الاستقرار والديمومة.

ليس إنشاء دولة لبنان الكبير سنة 1920 معضلة جغرافية ولا مؤسساتية ولا ديمغرافية. إنها معضلة ذهنية وثقافية وتربوية في علم النفس التاريخي والعيادي. إنها تتطلب معالجة من قبل مؤرخين ومثقفين غير ببغائيين ولا يحملون رواسب ذهنية مرضية. يتعامل هؤلاء مع إعلان دولة لبنان الكبير انطلاقًا من ذهنية مرضية في علم النفس التاريخي والعيادي.

1. تجاهل الزلزال الضخم في الذهنيات بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد أربعة قرون: من الطبيعي جدًا التردد لدى البعض على إثر هذا الزلزال كما حصل في بلدان عديدة في أوروبا الشرقية.

2. استمرارية اتهام هذه الطائفة أو تلك بالتردد حول دولة لبنان الكبير: إنه تردد طبيعي جدًا. إنه يشبه موقف زوجين متعاقدين منذ أكثر من خمسين سنة. هل يتهم أحدهم شريكه بالتردد في القبول بالزواج؟ هذا التردد طبيعي وطبيعي جدًا. أو يفترض أحد الزوجين - مجرد فرضية - أنه باقترانه مع شريك آخر لكان الوضع أفضل! إنه هروب من الواقع، وواقع الواقع، وتعامل مع الواقع كمجرد فرضية. تكمن المعضلة الكبرى في نقلنا التاريخي غير الواقعي لرؤية البطريرك الحويك والآباء المؤسسين لدولة لبنان الكبير ودستور 1926 وميثاق 1943.

3. جهل الأنثروبولوجيا التاريخية والقانونية في نشوء الدولة: تنشأ الدولة في مواصفاتها الأربعة السيادية انطلاقًا من مركز يمتد إلى الأطراف، إما بالقوة حصرًا وإما بالمواثيق:


Norbert Elias, La dynamique de l’Occident, Calmann-Lévy, 1939 et rééd. Pocket,

no 80, 2003 320 p.

L’édification nationale dans diverses régions, no spécial de la Revue internationale des sciences sociales, Unesco, XXIII (3), 1971.


وتعريب افلين أبو متري مسرّه، البناء القومي بالمواثيق والأنظمة البرلمانية التعددية، المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم، سلسلة "وثائق"، رقم 62، 2017.

يعود إنشاء الدولة اللبنانية إلى إعلان دولة لبنان الكبير 1920، إذ قبل هذا التاريخ كان لبنان كيانًا جغرافيًا وإنسانيًا، ولكن مجموعة إمارات وإقطاعيات تابعة للدولة العثمانية.

4. استمرارية لبنانيين في كتابة وتصورات لبنان صغير انطلاقًا من نمطية ماضية وغرائز موروثة، استمرت كتابة تاريخ لبنان صغير انطلاقًا من الإمارة أو القائممقامية أو المتصرفية، مع وضع عنوان عام على الكتب العامة والمدرسية: تاريخ لبنان. كلا، ليس هذا تاريخ لبنان وتاريخ اللبنانيين، بل تاريخ جزء من لبنان.

هل يعلّم السويسريون اليوم تاريخ ثلاثة كانتونات تأسيسية؟ وهل يعلّم الأميركيون اليوم تاريخ ثلاث عشرة مقاطعة أصلية أم تاريخ كل أميركا؟ ينطلق تعليم أي تاريخ من المساحة الجغرافية الحالية والتي هي مذكورة بتفصيل لا مثيل له في الدستور اللبناني ليكون درسًا في الجغرافيا والانتماء للأجيال القادمة.

ورد في مناهج التاريخ في خطة النهوض التربوي بقيادة البروفيسور منير أبو عسلي: "تعليم تاريخ كل لبنان" (المرسوم رقم 3175 تاريخ 8/6/2000، الجريدة الرسمية، عدد 27، تاريخ 22/6/2000، ص 2114-2195). الحاجة إلى إحياء هذه الخطة بكامل مضامينها وروحيتها وبإشراف قيادة تربوية واعية كما حصل في "الإطار العام للتعليم ما قبل الجامعي" بقيادة الوزير عباس الحلبي ورئيسة المركز التربوي للبحوث والانماء البروفسوره هيام اسحق.

5. الانضمام العارم لكل المناطق والمذاهب إلى الدولة في إعلان سنة 1920: يستخلص من مجمل الوثائق التاريخية، وبخاصة في مؤلفات المؤرخ الكبير أنطوان حكيم، الانضمام العارم لكل الأطراف والمذاهب إلى الدولة اللبنانية سنة 1920. وينشر أنطوان حكيم مراجع دبلوماسية تبيّن بعض الضغوط الخارجية التي مورست لمعارضة الانضمام إلى دولة لبنان الكبير (موقف الطوائف من إعلان دولة لبنان الكبير، 2025).

6. حالات مرضية في الإدراك النفسي للحدود. إن التصورات الذهنية والرواسب التاريخية في ما يتعلق بالحدود الجغرافية هو مصدر انفعالات وأوهام تسيء إلى وحدة المجتمعات واستقرارها وتستغلها جهات سياسية في التعبئة النزاعية. يتطلب ذلك معالجة رواسب ذهنية في علم النفس التاريخي. هذه المخاطر، التي لا سند واقعي لها ولا مستقبل، يستغلها سياسيون مغامرون. يتم وصف ذلك في كتاب صادر حديثًا ومتعلق بالدول الأوروبية:


Beatrice Von Hirschausen, Les provinces du temps : Frontières fantômes et expériences de l’histoire, CNRS éditions, 2023, 400 p.

صدرت في أوائل 1995 في سلسلة "القضية اللبنانية" وثيقة بعنوان: "لبنان الكبير مأساة نصف قرن"، (طبعة ثانية 1976، 26 ص) حيث يتم خلط كل المفاهيم ببعضها حول النظام والدستور والسياسة والذاكرة والثقافة... خلف ستار البحث التاريخي صدر كتابنا عن كرسي اليونسكو للأديان المقارنة والوساطة والحوار في جامعة القديس يوسف بالتعاون مع أديان: تاريخ لبنان للمستقبل بالوثائق والصور، 2017، مع تطبيقات لجمعية "تصالح" في أكثر من ثلاثين مؤسسة تعليمية. وتبيّن سناء الخليل وزنه في رسالة ماستر في العلاقات الإسلامية المسيحية في جامعة القديس يوسف في رسالتها: دولة لبنان الكبير في الذاكرة اللبنانية: دراسة حالة في إشكالية التاريخ والتربية للجيل الجديد، إشراف أنطوان مسرّه، 2019، 260 ص، كثافة وضخامة الوثائق من كل المناطق والمذاهب انضمامًا إلى دولة لبنان الكبير.

***

إن البطريرك الياس الحويك والجنرال غورو وكل موقعي العرائض من كل المناطق والمذاهب في الانضمام إلى دولة لبنان الكبير في عليائهم السماوية هم في حالة حزن عميق بسبب استمرارية غياب "Grand-Libanais" حسب تعبير غورو. في الواقع اللبناني الحالي، هؤلاء هم من رواسب شيعية سياسية ورواسب مارونية سياسية، ومسترئسين ومخادعين ويمارسون الدعارة في العلاقات الدبلوماسية الرسمية. أما الواقع المؤسساتي فهو واعد بفضل رئيس جمهورية (ماروني) رئيس دولة وحكومة طبيعية و"إجرائية" (مجمل الفصل الرابع من الدستور) ودعم عربي وأوروبي وأميركي وعالمي في سبيل إقفال لبنان الساحة ثم الساحات. يندرج التعامل مع هؤلاء في سياق علم النفس التاريخي والعيادي وليس السجال حول صوابية أم عدم صوابية جغرافية ودولة لبنان الكبير.

يتمتع لبنان بمناعة لا مثيل لها. تم زرع متاريس ومعابر في كل جغرافية لبنان طوال السنوات 1975-1990، بعد زوال المعابر عاد لبنان إلى لبنانيته، جغرافيًا وسكانيًا ودستوريُا وعربيًا. أما العديد من اللبنانيين من رواسب شيعية سياسية ورواسب مارونية سياسية، ولا نقول بكركي ولا الموارنة، فهم الذين يعانون من نقص خطير في المناعة.


عضو المجلس الدستوري، 2009-2019