العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا

توقّفوا عن حجب نور شمسنا

4 دقائق للقراءة

لقد تعبنا. تعب لبنان من أن يكون ساحةً لحروب الآخرين، وتعب شعبه من أن يدفع، جيلا بعد جيل، ثمن مشاريع لا تمتّ إلى مصالحه بصلة. فمنذ أكثر من ستة عقود، لم يُترك لبنان ليعيش حياته الطبيعية أو ليبني دولته كما يشاء أبناؤه. بل تعاقبت عليه مشاريع إقليمية، تغيّرت عناوينها وأعلامها، لكن نتائجها بقيت واحدة: بقي لبنان ضعيفًا، منقسمًا، وعاجزًا عن النهوض.

بدأت هذه المسيرة مع الناصرية والقومية العربية، ثم انتقلت إلى المنظمات الفلسطينية، فإلى مرحلة الوصاية السورية، مرورًا بموجات الإرهاب الجهادي، قبل أن تلتحق بالمشروع الإيراني عبر "حزب الله" وحركة "أمل"، وهي مسارات أسهمت جميعها في إضعاف سلطة الدولة اللبنانية وتقويضها. وقد أسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أنظمة في المنطقة في تغذية هذه المؤامرات، إذ خشيت أن يوجّه المتطرفون جهودهم نحو إسقاطها، ففضّلت أن تُصدّرهم إلى لبنان وتتركهم يعبثون بأمنه واستقراره بدلا من تهديد بقائها.

وفي كل مرحلة، كان اللبنانيون هم من يدفعون الثمن. حروبٌ لا تنتهي، واحتلالات، واغتيالات، وانهيار اقتصادي، وهجرة جماعية، وتفكك لمؤسسات الدولة. وكلما لاحت فرصة للنهوض، امتدت يدٌ جديدة لتحجب نور الشمس عن لبنان، وتعيده إلى دوامة الصراعات.

كفى.

رسالتنا اليوم ليست رسالة كراهية تجاه أحد، بل هي رسالة دفاع عن حقّنا الطبيعي في المشاركة، والحياة، والحرية، والكرامة. وكما يُروى، عندما زار الإسكندر الأكبر الفيلسوف ديوجينس وعرض عليه أن يحقّق له أي أمنية يشاء، أجابه ديوجينس: "تنحَّ عن شمسي".

ومن هنا نقول لكل من يرى في لبنان مجرد ورقة تفاوض أو ساحة نفوذ أو قاعدة متقدمة لمشروعه: توقّفوا عن حجب نور شمسنا. دعونا نبني دولتنا. دعونا نعيد اقتصادنا. دعونا نستثمر في علم أبنائنا، ونستعيد شبابنا الذين هاجروا، ونؤسس لوطن يعيش فيه اللبناني بكرامة، بعيدًا عن وصاية أي قوة خارجية، أيًا كان اسمها أو شعارها.

لكن من السذاجة أن نعتقد أن هذا سيحدث من تلقاء نفسه. فلا أحد يتخلى عن نفوذه لأنه طُلب منه ذلك، ولا أحد يعيد لنا وطننا إذا لم نقرر نحن استعادته. الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع بالمواجهة، وبالعمل المنظم، وبالإرادة، وبوحدة أصحاب القضية.

ولهذا، فإن مسؤولية التغيير تقع أولا على اللبنانيين الذين يؤمنون بالمشاركة، وبالدولة، وبالحرية، وبالسيادة. لقد أثبت النظام المركزي، بعد عقود طويلة من التجربة، أنه لم يعد قادرًا على حماية لبنان ولا على إدارة تنوعه ولا على منع تحويله إلى ساحة لصراعات الآخرين. لذلك، فإن الوقت قد حان لفتح صفحة جديدة، والانتقال إلى نظام اتحادي يؤمن شراكة حقيقية بين اللبنانيين، ويحفظ خصوصياتهم، ويمنح كل مجموعة القدرة على إدارة شؤونها ضمن دولة فيدرالية واحدة، قوية، سيدة، تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم وحصرية السلاح.

غير أن أي مشروع إصلاحي، مهما كانت عدالته، لن يرى النور إذا بقي حبيس المقالات والندوات. فالتاريخ لا يتغير بالأمنيات، بل عندما يتغيّر ميزان القوى داخل، وبين المجتمعات. وهذا التغيير لا يكون بالعنف، ولا بالفوضى، بل بحراك شعبي سلمي، قانوني، منظم، واسع، يعبّر عن إرادة اللبنانيين الذين سئموا الفشل والفساد والوصاية، ويطالب بإصلاح سياسي جذري يعيد السلطة إلى الدولة ويعيد القرار إلى الشعب.

إنها دعوة إلى كل من وصل إلى لحظة يقول فيها: كفى.

كفى انتظارًا. كفى استسلامًا. كفى اعتقادًا بأن أحدًا سيحل مشاكلنا نيابةً عنا. إذا كنا نريد أن يستعيد لبنان مكانه بين الأمم، فعلينا أن نستعيد نحن أولا ثقتنا بأنفسنا، وأن نتحد حول مشروع وطني واضح، وأن ننزل إلى الساحات لنغيّر بالوسائل الديمقراطية ميزان القوى الذي أوصل وطننا إلى هذا الانهيار.

لقد آن الأوان لأن نرفع الصوت ونصرخ في وجه الجميع، ولا سيّما حملة السلاح من "حزب الله" وحركة "أمل" والفصائل الفلسطينية، وفي وجه أحزابنا ورؤساء مجموعاتنا، ونقول لهم: كفّوا عن حجب نور شمسنا.

لقد طال انتظار لبنان، وحان الوقت لأن تشرق شمسه من جديد. آن الأوان لأن ننتظم، ونتّحد، وننزل إلى الشارع، ونقول بصوتٍ واحد: نريد عقدًا اجتماعيًا جديدًا، ونظامًا سياسيًا جديدًا يحمي هذا العقد، لا سلاحكم، ولا فسادكم، ولا زبائنيّتكم، ولا احتكاركم للمال والسلطة. كفى.


نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار


الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ