طارق أبو زينب

إيران بعد علي خامنئي... النظام يلتهم نفسه

4 دقائق للقراءة
المعركة الأكبر تبقى داخل إيران نفسها (أ ف ب)

لم يكن رحيل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي مجرّد انتقال في رأس السلطة الإيرانية، بل لحظة كشفت أزمة أعمق داخل نظام أمضى عقودًا في بناء توازنات دقيقة بين مؤسّساته المتنافسة. فغياب الرجل الذي أمسك بخيوط العلاقة بين "الحرس الثوري" والمؤسّسة الدينية والحكومة والبرلمان لم يفتح باب البحث عن خليفة فقط، بل كشف صراعًا حول مستقبل النظام نفسه وقدرته على الحفاظ على تماسكه في مرحلة انتقالية هي الأكثر حساسية منذ سنوات.

على مدى نحو أربعة عقود، نجح خامنئي في إدارة التناقضات الداخلية عبر شبكة واسعة من الولاءات وموازين القوى، مستفيدًا من موقعه كمرجعية نهائية فوق مراكز القرار. لكنّ مرحلة ما بعده أظهرت أن انتقال النفوذ ليس مسألة تلقائية، إذ يواجه مجتبى خامنئي، رغم محاولات تقديمه كوريث سياسي وديني، اختبارًا معقّدًا لفرض حضوره داخل منظومة تتوزّع فيها القوة بين "الحرس" والحكومة والبرلمان ومجلس الأمن القومي والمؤسّسات الإعلامية المرتبطة بالأجنحة المختلفة.

ومنذ مراسم دفن علي خامنئي، ظهرت مؤشرات القلق داخل بنية السلطة. فقد سعى النظام إلى تحويل المناسبة إلى استعراض للتماسك والشرعية، عبر إبراز حجم المشاركة الشعبية والأرقام الكبيرة للحشود، في محاولة لتأكيد استمرارية المؤسّسة الحاكمة خلال لحظة انتقال دقيقة. إلّا أن غياب مجتبى عن مشهد كان يمكن أن يمنحه حضورًا رمزيًا أمام مؤسّسات الدولة والجمهور فتح باب التساؤلات حول موقعه الحقيقي داخل معادلة القرار.

في المقابل، كشفت الشعارات الرافضة للتفاوض والمهاجمة لما يصفه المتشدّدون بـ "المساومين" أن الصراع لا يدور حول العلاقة مع الخارج فقط، بل يعكس مواجهة داخلية حول مستقبل إدارة النظام للأزمات. فبينما يرى فريق أن المواجهة تحمي النفوذ، يعتبر آخرون أن تخفيف الضغوط يُمثّل ضرورة لتجنّب استنزاف اقتصادي وسياسي متزايد.

يتبلور مساران رئيسيان داخل النظام. الأوّل هو تيار المواجهة والهروب إلى الأمام، ويضم مجتبى وسعيد جليلي و"جبهة الصمود" وصحيفة "كيهان" إلى جانب أجنحة داخل "الحرس" ومؤسّسات عقائدية. ويرى هذا التيار أن أي تراجع في الملفين النووي والصاروخي سيؤدّي إلى إضعاف النظام وتقليص نفوذه. لذلك، يدفع هذا التيار باتجاه سياسات أكثر تشدّدًا، مع استخدام أدوات الضغط الخارجية، بما في ذلك التهديد بإغلاق مضيق هرمز ودعم الميليشيات المسلّحة للحفاظ على النفوذ الإقليمي وتعزيزه.

أما المسار الثاني، فيمثّله الرئيس مسعود بزشكيان ومحمد باقر قاليباف وعباس عراقجي ومحسن رضائي وأجزاء من الجهاز التنفيذي والأمني. ولا يسعى هذا الاتجاه إلى تغيير طبيعة النظام، لكنه يرى أن استمرار المواجهة والعقوبات قد يهدّد قدرة السلطة على الصمود. لذلك، يدفع هذا التيار نحو التفاوض والوساطات والتفاهمات المرحلية لتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية. غير أن مأزق هذا الاتجاه يكمن في محاولة تحقيق انفراجات خارجية من دون دفع كلفة سياسية داخلية. فهو يحتاج إلى تخفيف الأعباء الاقتصادية، لكنه يخشى أن تتحوّل أي تنازلات في الملفات النووية أو الإقليمية إلى اتهامات بالتراجع وإضعاف موقع القيادة.

وانتقل الصراع إلى الإعلام الرسمي الذي أصبح بدوره ساحة مواجهة بين الأجنحة. فوقف بثّ مقابلة قاليباف أثناء حديثه عن مسار التفاهم مع الولايات المتحدة، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، والإفراج عن الأموال المجمّدة، كشف حجم الخلاف حول كيفية تقديم خيار التفاوض للرأي العام الإيراني. كما أن الهجمات التي شنّتها "كيهان" وشخصيات متشدّدة ضدّ محيط بزشكيان وقاليباف أظهرت أن الخلاف تجاوز السياسة الخارجية، ليصل إلى سؤال أعمق يتعلّق بتوزيع النفوذ وحدود صلاحيات المؤسّسات داخل النظام.

ويبقى هرمز في قلب هذا الصراع، إذ يمثّل بالنسبة إلى تيار المواجهة ورقة ضغط استراتيجية، في حين يراه تيار التفاوض ملفًا يجب احتواؤه لمنع تحوّل المنطقة إلى ساحة استنزاف مفتوحة. لكن المعركة الأكبر تبقى داخل إيران نفسها. فالأزمة الاقتصادية والتضخم وتراجع القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين المجتمع والمؤسّسات، كلّها عوامل تزيد مخاوف السلطة من عودة الاحتجاجات. وبين تيار يدفع نحو التصعيد للحفاظ على تماسك النظام، وآخر يسعى إلى تخفيف الضغوط من دون المساس ببنيته، تبدو المرحلة المقبلة اختبارًا حقيقيًا ليس فقط لمن سيحكم إيران، بل لقدرة النظام على إدارة صراعاته الداخلية ومنع أزمته من التحوّل إلى تهديد وجودي.