كلّما تعمّق الصراع الإقليمي في المنطقة العربية، ازدادت إيران إغراقًا في إبراز أحقادها القومية الفارسية ضدّ العرب وضدّ أهل السنّة، بشكل فاقع وفاضح. فبالإضافة إلى استهداف دول الخليج والأردن بالمسيّرات والصواريخ، فإنّ مواقف المسؤولين الإيرانيين التي تعلن عزمهم على "تحرير الكعبة" وحكم مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة تؤكّد أنّ أهداف طهران لطالما كانت استعمار العرب واحتلال بلادهم، وكان العنوان النموذجي استغلال القضية الفلسطينية واحتلال أربع عواصم عربية باسم القدس.
وما ينطبق على إيران في الإقليم ينطبق على حزبها في لبنان. فقد سقطت كلّ الشعارات المخادعة من المقاومة والحماية والبناء، ومن ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة، إلى أحادية السلاح غير الشرعي في وجه الدولة والشعب.
هكذا يمكن اختصار الوضع الراهن.
لكن يمكن التوسّع في القول إنّ "حزب الله" الإيراني أصبح اليوم أكثر اعتمادًا من أيّ وقت مضى على إيران ودعمها الاقتصادي والعسكري، وهو ما ظهر بعد حرب إسناد علي خامنئي. لذا، يجب على الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات جريئة لقطع هذه الصلة، بما يضمن انهيار "الحزب" من الداخل. وهذا يعني أنّ على الدولة ملاحقة مصادر تمويل الحزب، والإطباق على مصرف "القرض الحسن" ومؤسسة "جود" الرديفة له، فضلا عن أهمية تفكيك البنية المالية التابعة لـ"الحزب"، من صرّافين وشركات تهريب أموال معروفة الهوية.
صحيح أنّ باستطاعة إيران إطالة فترة احتضار حزبها في لبنان، وبإمكان الحرس الثوري أن يواصل تخريب الأمن والاستقرار، من استهداف الجيش اللبناني بالعبوات المشبوهة، كما حصل بالقرب من مفرق بلدة صربين في قضاء بنت جبيل يوم الأحد 2/8/2026 عندما تبين أنّ إسرائيل لم تكن وراء الاستهداف، كما أنّ جيش الاحتلال لم يكن يعمل في المنطقة التي وقع فيها الاستهداف، ليكون "الحزب" هو المرشح الأول للوقوف وراء العبوة المشبوهة، كما سبق أن حصل مع تفجير النفق الذي استشهد فيه عدد من ضباط وجنود الجيش اللبناني.
يهاجم "حزب الله" القيادة اللبنانية بذريعة التفريط بالحقوق، ويزعم أنّها فقدت شرعيتها، لأنّ لم تستطع تحرير الجنوب خلال عملية التفاوض الجارية، وتناسى هذا "الحزب" الوقح أنّه مع شريكه الرئيس نبيه بري، فاوض على مدى ما يقارب العامين مع إسرائيل عبر الضابط آموس هوكستين المبعوث الأميركي في حينه، وتسبّبوا في خسارة لبنان مساحات حيوية من مياهه الإقليمية الاقتصادية. ويستكثرون على الدولة بضعة أسابيع أو أشهر لإتمام المفاوضات.
لا يستطيع "حزب الله"، من جهة، مهاجمة القيادة اللبنانية وأفعالها، ومن جهة أخرى، البقاء جزءًا من الحكومة والبرلمان، اللذين يُعدّان جزءًا لا يتجزّأ من تلك القيادة والدولة والشرعية. يجب على "الحزب" أن يختار: إمّا أن يكون جزءًا من الدولة ويلتزم بقوانينها، وإمّا أن يكون منظّمة إيرانية أجنبية تعمل خارج الدولة.
لا يزال "حزب الله" يتحدّث بلغة الانتصار، ويروّج لروح التضحية لدى مقاتليه وعزيمة المقاومة، لكنّ هذه العزيمة، مهما بلغت من عظمة، لا تردع إسرائيل، ولم توقف الدمار، ولم تمنع الهجمات، ولن تسحب قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي. بل على العكس، فإنّها السبب المباشر لبقاء الاحتلال، فذريعته مستمرّة: بقاء سلاح "الحزب" الذي يريد اللبنانيون، قبل جميع الآخرين، سحبه وحصره بيد الجيش اللبناني والقوى الشرعية.
لم يعد لحزب إيران مستقبل في لبنان، بل يمكن الترجيح بأنّه تأخّر حتى في التحوّل السياسي، فطهران ستغرقه وتغرق المنطقة بتسعير الصراع المذهبي، الذي لن يجد له حطبًا سوى ميليشيات الفرس، وسط تحوّل دول المنطقة وأغلب دول العالم إلى دول متضرّرة فعليًا من سياسة الوليّ الفقيه العنصرية والتوسّعية. وعليه، فإنّه لا يمكن للدولة اللبنانية الاستمرار في تجاهل ما يجب عليها فعله، الآن وليس غدًا.