دخل ملف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة مرحلة شديدة الحساسية، بعدما انتقل من كونه قضية مالية وقضائية إلى ملف تتداخل فيه الاعتبارات القانونية والطبية والإعلامية، في ظل استمرار توقيفه في سجن رومية وإعلانه الإضراب المفتوح عن الطعام ورفضه تناول الأدوية، ما أثار سجالاً واسعاً حول ظروف توقيفه ومستوى الرعاية الصحية المقدمة له.
من مستشفى بحنّس إلى سجن رومية
بعد توقيفه، نُقل سلامة إلى مستشفى بحنّس حيث خضع لمراقبة طبية استمرت 24 ساعة بناءً على توصية طبيب تابع لقوى الأمن الداخلي. وبعد انتهاء فترة المراقبة، خلص التقرير الرسمي إلى أن وضعه الصحي لا يستوجب بقاءه في المستشفى، بل يحتاج إلى متابعة تمريضية منتظمة وتأمين أدويته بصورة دورية.
واستناداً إلى هذا التقرير، اتخذت الجهات القضائية قراراً بنقله إلى مبنى شعبة المعلومات في سجن رومية، حيث جرى تخصيص غرفة منفردة له، مع تأمين ممرض ومتابعة طبية مستمرة، إضافة إلى توفير الأدوية وجهاز الأوكسجين عند الحاجة، وفق ما أكدته النيابة العامة التمييزية.
تقريران طبيان… وروايتان مختلفتان
في المقابل، رفض فريق الدفاع عن سلامة هذا التقييم، وأعد طبيبه الخاص تقريراً رفعه إلى النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحجار، حذّر فيه من تدهور واضح في الحالة الصحية والنفسية لسلامة، مشيراً إلى ارتفاع ضغط الدم ورفضه الطعام والشراب والأدوية، معتبراً أن حالته تستوجب العودة إلى المستشفى والخضوع لمراقبة طبية دقيقة.
وبذلك، وجد الملف نفسه أمام تقريرين طبيين مختلفين: الأول اعتمدته الجهات الرسمية لتبرير النقل إلى السجن، والثاني استند إليه فريق الدفاع للمطالبة بإعادته إلى مستشفى بحنّس.
موقف القضاء
النائب العام التمييزي أحمد رامي الحجار شدد على أن قرار نقل سلامة لم يكن إجراءً عقابياً أو انتقامياً، بل استند حصراً إلى تقرير طبي رسمي أكد إمكانية متابعة حالته داخل السجن.
وأكد الحجار أن إدارة السجن جهزت كل ما يلزم من رعاية صحية، وكلفت طبيب السجن متابعة وضعه بشكل دائم، مع تخصيص ممرض للإشراف على إعطائه الأدوية والطعام وتأمين الأوكسجين عند الحاجة، كما منح أطباء سلامة الخاصين إذناً مفتوحاً لزيارته والكشف عليه في أي وقت.
وأوضح أن سلامة هو من رفض تناول الطعام والأدوية واستخدام جهاز الأوكسجين، معتبراً أن هذا القرار شخصي ولا يمكن تحميل مسؤوليته للقضاء أو لإدارة السجن.
حملة إعلامية وضغوط سياسية
بالتوازي مع المسار القضائي، شهد الملف تصعيداً إعلامياً ركّز على الوضع الصحي لسلامة، مستنداً إلى تقارير طبيبه الخاص، فيما اعتبرت أوساط قضائية أن هذه الحملة تجاهلت التقرير الرسمي الذي بُني عليه قرار نقله إلى رومية.
كما تحدثت معلومات إعلامية عن اتصالات سياسية جرت مع مسؤولين في الدولة في محاولة لإعادة سلامة إلى مستشفى بحنّس، الأمر الذي أثار نقاشاً حول حدود التدخل السياسي والإعلامي في الملفات القضائية، وإن كانت هذه المعطيات لا تزال في إطار ما تتناقله وسائل الإعلام ولم يصدر بشأنها تأكيد رسمي مستقل.
إضراب عن الطعام
تصاعدت الأزمة مع إعلان سلامة إضراباً مفتوحاً عن الطعام وامتناعه عن تناول العلاج، في خطوة حذر طبيبه من أنها قد تؤدي إلى تدهور سريع في وضعه الصحي، خصوصاً مع معاناته من ارتفاع مزمن في ضغط الدم ومشكلات تنفسية. وفي المقابل، تؤكد السلطات القضائية أن جميع مستلزمات الرعاية الطبية متوافرة داخل مكان توقيفه، وأن استمرار الامتناع عن العلاج هو قرار شخصي اتخذه الموقوف بنفسه.
قضية تتجاوز شخص رياض سلامة
لم تعد القضية محصورة بالوضع الصحي لحاكم مصرف لبنان السابق، بل تحولت إلى اختبار للعلاقة بين القضاء والضغوط السياسية والإعلامية، وإلى محطة يراقبها اللبنانيون باعتبارها إحدى أبرز القضايا المرتبطة بالأزمة المالية التي عصفت بالبلاد منذ عام 2019.
وفيما يصر فريق الدفاع على أن الأولوية هي لحماية حياة سلامة وتأمين العلاج الذي يراه مناسباً، تتمسك النيابة العامة بأن القرارات المتخذة تستند إلى تقارير رسمية وإلى مقتضيات القانون، مؤكدة أن الرعاية الصحية لا تتعارض مع استمرار التوقيف عندما تكون متوافرة داخل المؤسسة السجنية.
وبين هذين الموقفين، يبقى القرار النهائي في يد القضاء، الذي يواجه اختباراً دقيقاً بين ضمان الحقوق الإنسانية للموقوف، والحفاظ في الوقت نفسه على استقلالية قراراته بعيداً عن أي ضغوط خارجية.
وفي حديث "لنداء الوطن"، أضاف المحامي وديع عقل أن "قرار توقيف رياض سلامة، يشكل تأكيداً على نجاح مسار كسر نظام اللاعقاب السائد في لبنان منذ حرب ١٩٧٥ نتيجة جهود عدد من القضاة والمحققين اللبنانيين والاوروبيين طوال ٧ سنوات.
والمهم تسريع وتيرة التحقيقات والمحاكمات وصولاً الى شركاء رياض سلامة من أصحاب مصارف وسياسيين ومسؤولين حكوميين وتوقيفهم وحجز أموالهم."