أن تقاوم معرفيًا هو أن تعي طريقة مقاربة الأمور بمنظار الكتابة الواعية، وأن تفقه لغة كيفية محاربة أشكال الاستلاب الفكري، بالابتعاد عن الرؤى والإرهاصات المعلّبة، وفق تقليد أعمى لمفاهيم تجاوزها الزمن بحركته الدائمة وتقلباته المستمرّة. وهذا ما فعله علي نسر في روايته "وادي الغيوم"، فقد واءم بين أصالة المعرفة الدينية الاسلاميّة من جهة، والتوقّد الذهني في التفكير الثوري خارج إطار التعليب العقائدي الديني من جهة أخرى.
رواية "وادي الغيوم"، هي مناط تجربة موضوعيّة، أسّس نسر من خلالها دعائم حصانة معرفيّة مستلهمة من التجربة الإنسانيّة المبنيّة على "المقاومة والحبّ". فتراكُم الفيض الفلسفي الحواري على الصفحات، والناتج عن رأي المقاوم الآتي من خلفية دينية، والثائر العلماني الذي يحترم الدين ولا يعمل بوصاياه، وصدق الحبّ الموصوف لمقاوم ثوري مشهور بعلاقاته الغراميّة واخلاصه للمقاومة، بامتناعه عن إقامة علاقة مع زوجة مقاوم على الجبهة كي لا يجعل ظهر الأخير "مكشوفًا دون أن يعلم"، كلّ هذا أعادنا إلى الحالة الجنينيّة لمقاومة الفدائيّين ومن كان يؤيّدهم من ثوار اليسار للعدو الإسرائيلي. وبهذا وضع المؤلّف نفسه أمام مسؤوليّة التغيير ونقل المقاومة كحالة عامة يمينًا ويسارًا، إلى حيّز معرفي يحاكي بوعي التطورات السياسية الآنية، والانفجار المقاوماتيّ العقائديّ الهائل في عصرنا الحديث.
لم تكن المسائل الفلسفيّة عند علي نسر ترفًا فكريًا يخصّ نخبة محدودة من المفكّرين، بل جعلها جزءًا من صراع الإنسان مع معتقده، ومع خوفه من المستقبل المجهول. وتجلّى ذلك في الصراع المستفحل بدواخل شخوص الرواية مؤمنين أو ثوّار أو ملحدين... وبان هذا الصراع في مجمل صفحات الرواية وبالأخصّ عند كلام "صلاح" الملتزم دينيًا قبيل وصوله إلى منزله قادمًا من ثكنته التابعة للمقاومة بعد استدعائه بسبب وفاة والده: "أحاول أن ألتقط بعضًا من مبادئ الفلسفة وعلم النفس التي تخصّصت بها في الجامعة لأقارب الحدث بطريقة علميّة، فأخفق، وأستبدل بها ثوابتي الإيمانيّة أدوات تريحني أكثر". (صفحة 15)
"وادي الغيوم"، رواية حضر الحبّ فيها بكلّ فصولها، فحكاية "يوسف قنديل" الشخصيّة الرئيسيّة في الرواية، تطرح نفسها في تشعّب علاقاته الغراميّة، وبقاء حبّه متّقدًا لامرأة واحدة، هو اليساريّ المتعلّم أحبّ حبيبته بقوّة كما أحبّ القضيّة التي يؤمن بها، على الرغم من اكتشافه في لقائه الأخير معها الجرح الذي شوّه صدرها من جراء عملية قلب مفتوح، ولم ترغب إزالته بجراحة تجميليّة: "وحين أدخلت يدي إلى صدرها كما فعلت مرارًا في السابق، كانت الصاعقة. في الليلة الماضية شعرت هي بنعومة يدي عبر احتكاك سريع، لكني شعرت بما زاد من رجفة يدي. شيء بين نهديها يشبه حافة قناة مائيّة عتيقة نضبت لعدم استخدامها بعد إيجاد البديل. لم تمنعني من تفحّص ما شعرت به رغم أنّها أبعدت يدي عن أماكن كثيرة أخرى. كشفت ثوبها وهي ترجع عنقها إلى الخلف، فكان هناك آثار جرح قديم. تراجعت قليلًا فعدلتْ من وضعية عنقها، نظرتْ إلى حيث يدي متجمّدة، وابتسمتْ". (صفحة 184)
تستحضر الذاكرة قصّة لغادة السمّان "ما وراء الحبّ"، في كتاب "عيناك قدري" حيث يتحوّل حبّ الحبيب صداقة عندما يواجه تشوهًا خلّفته عمليّة جراحية في صدر محبوبته: "هيثم ما زال جامدًا. يده تتحرّك بحنان عجيب لتستر كتفي ببقايا الثوب. لست بحاجة إلى شفقة إنسان... أحسّ إني قويّة ومحبوبة كما لم أكن قط من قبل. الوجود الذي كان قد نفاني يحتضنني. الفجر ينعشني. يسكب في تشويه صدري بركته وسطوعه". (من كتاب عيناك قدري).
وقد برز الرجل المقاوم العاشق في رواية "وادي الغيوم" الذي لم يرَ في الجرح ما ينتقص من حبّه، بل يزداد تعلقه بحبيبته، وكأنّ مبادئه والتزامه بحبّه وبقضيته تسمو على آثار الجراح. وهنا لا تقارن أمور الحبّ بين رجلين، بقدر ما تقارن بين تصوّرين للاخلاص: حبّ يقف عند حدود الجسد، وحبّ يتجاوز الجسد إلى الإنسان.
نجحت "وادي الغيوم" في تقديم وعي شخصياتها بذواتها وبالعالم من حولها، من خلال تعرية محظورات أو ممنوعات اجتماعيّة وثقافيّة، متعلقة بقيم المقدسّ في مواجهة الحبّ. وأعادت البريق لمفهوم المقاومة وتثمين أدوارها والخروج بها من مجال التجارة بالحبّ والدين وفلسطين.
كتب علي نسر بصدق التدوين عن ندوب قد تنطوي في الذاكرة، وكان فعله مكابدة لسرّ الكلمة وافتتان الحرف، ونطق المشاعر في رحم النفوس المضطربة والمقاومين الشرفاء. فكاتب هذا المقال المتواضع الذي يؤمن بالقضيّة اللبنانيّة رغم عدم تقاطعها مع القضيّة الفلسطينيّة إلّا في نقطتين جوهريتين: حقّ العودة وعدم جعل لبنان وطنًا بديلًا عن فلسطين، كتب برواية "وادي الغيوم" والقضية التي عرضتها بأمانة، لأنّها حافزٌ على إخلاصه لقضيته.
وعلى الرغم من أنّ "وادي الغيوم" الرواية الوحيدة لعلي نسر، فقد تمرّدت يراعته على العياء، وبان سخاؤها الكريم في عطائها للعيون النهمة للقراءة.
