لم تعد الأزمة الاقتصادية في لبنان مجرد هبوط دراماتيكي في قيمة العملة الوطنية، بل تحولت إلى أزمة بنيوية شاملة. أزمة تتداخل فيها الفوضى المالية مع شلل مؤسسات الرقابة الرسمية، ويتغذى فيها الغلاء على غياب أجهزة الضبط، ليحلّ «اقتصاد العشوائية» بديلاً قسرياً عن اقتصاد الدولة، كما حلّ اقتصاد الكاش مكان الاقتصاد المصرفي بعد الانهيار المالي في عهد الرئيس ميشال عون.
اليوم، وبعد سنوات من الانكماش المتواصل وتآكل الثقة، يقف المواطن اللبناني أمام معادلة صعبة ومؤلمة: ارتفاع فوضوي في كلفة المعيشة، وانهيار شبه كامل في الخدمات الأساسية، وأسواق تفتقر إلى أدنى معايير الشفافية. والمعنى المباشر لهذه المعادلة واضح وصريح: اللبناني لا يدفع ثمن الانهيار والضرائب الرسمية فحسب، بل يسدد يومياً «ضريبة إضافية» عنوانها غياب التنظيم والرقابة.
إذا كان جزء من موجات الغلاء السابقة يُعزى، بصورة منطقية، إلى انخفاض قيمة الليرة وارتفاع كلفة الاستيراد، فإن استمرار فوضى الأسعار يطرح علامات استفهام حادة حول آليات ضبط الأسواق وفعالية المؤسسات المعنية بحماية المستهلك.
تكشف تقارير مراقبة حركة الاستهلاك عن استمرار الضغوط التضخمية على السلع والخدمات الحيوية، مع تسجيل فجوات غير مبررة بين كلفة الإنتاج الفعلية وسعر البيع النهائي. وهذه الفجوات ليست مجرد تفاصيل في أرقام الإحصاءات، بل تمثل استنزافاً ممنهجاً ومنظماً للقدرة الشرائية، يضع الأسر ذات الدخل المحدود أمام خيارات معيشية قاسية يومياً.
فالأسواق السليمة لا تقوم على قانون الغاب، بل تحتاج إلى بيئة تنافسية تمنع التكتلات الاحتكارية وتضمن عدالة التعامل بين المنتج والمستهلك. وعندما يغيب رادع الدولة، تصبح الفوضى هي الضابط الفعلي لحركة السوق.
ومن أخطر مظاهر انحلال المؤسسات، تجذّر ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الخدمات الموازي». فهذا التكيف القسري مع غياب الدولة لا يعكس مرونة اقتصادية صحية، بل يكرّس نمطاً خطيراً من اللامحاسبة وتراجع سلطة القانون.
فالنمو الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق إلا في بيئة يدرك فيها المخالف أن للتجاوز كلفة قانونية ومالية باهظة، ويشعر فيها المواطن بأن القانون يمثل ملاذه الأخير. أما عندما يتأخر القضاء وتتراخى السلطة التنفيذية، تتحول المخالفة من سلوك استثنائي إلى ممارسة عادية، بل إلى أعراف اجتماعية متداولة.
إن كبح جماح الفوضى لا يتحقق عبر حملات تفتيشية استعراضية تنتهي عند حدود التغطية الإعلامية، بل يتطلب مساراً جدياً يقوم على إصلاحات هيكلية واضحة:
- استقلالية صارمة للأجهزة الرقابية: عبر فصل الهيئات الرقابية عن التجاذبات السياسية، ومنحها الصلاحيات الفعلية لإنفاذ القانون.
- عدالة ناجزة: من خلال تسريع الإجراءات القضائية في قضايا الاحتكار والغش وحماية المستهلك.
- شفافية سلاسل التوريد: عبر إلزام القطاعات التجارية بإصدار فواتير واضحة تحدد كلفة السلع وهوامش الربح الحقيقية.
- مكافحة الكارتيلات: عبر تفكيك شبكات الاحتكار وتشجيع المنافسة العادلة.
إن ترميم الاقتصاد اللبناني لا يمكن اختزاله في حلول تقنية، سواء عبر استعادة التوازنات المالية، أو إعادة هيكلة القطاع المصرفي، أو تثبيت الاستقرار النقدي، رغم الأهمية القصوى لهذه الخطوات. فالنهوض الحقيقي يتطلب قبل كل شيء إعادة بناء العقد الاقتصادي بين الدولة والمواطن والسوق.
فالمستثمر يبحث عن بيئة تحكمها سيادة القانون، والمواطن يتطلع إلى مظلة تحميه من الاستغلال، والزائر يحتاج إلى منظومة شفافة تمنحه الثقة والاطمئنان.
إن المعضلة اليوم لا تكمن فقط في حجم الخسائر المالية الضخمة، أو في حالة الارتهان والصراعات والحروب العبثية المدمرة التي جر حزب الله البلد اليها، بل تكمن أيضاً في نهج إدارة الفوضى الذي جعل كلفة استمرار الأزمة أكثر قسوة ودماراً من لحظة الانهيار نفسها.
فالتعافي الاقتصادي لا يُصنع بالشعارات ولا بالوعود المؤجلة بالإصلاح. إن استعادة الدولة تبدأ من تفاصيل الحياة اليومية للمواطن: سعر عادل، وفاتورة شفافة، وخدمة عامة موثوقة، وقانون نافذ يُطبّق على الجميع بلا استثناء أو محاباة.