شربل داغر

لا أحب أم كلثوم

دقيقتان للقراءة

أنا لا أحب أم كلثوم، أي أغنياتها. أحب منها القديمة فقط.

هل يمكن الجهر بهذا؟

أكتب هذا، في ذكرى وفاتها، مدركاً كوني أتعرض للملايين من "عشاق صوتها"، العرب قبل المصريين. فلا يخفف من موقفي كونها تمثل الطبقة الوسطى المتهاوية في مصر، أو كونها أبعدت الغناء عن البلاط، وغيرها من الحجج والتفسيرات ذات المغزى الاجتماعي والسياسي من دون شك، لكنها لا تجذبني بوصفي مستمعاً.

فأنا أستسيغ أصوات نجاة الصغيرة وشادية وفيروز وعبد الحليم حافظ، اي ما يجعل كلام الاغنية قريباً من لساني، من تربيتي العاطفية. فيما أجد صوت أم كلثوم بعيداً عني، كما لو أنني أتطلع إلى "هَرَم" (وهو أحد ألقابها في مصر).

رفعتْ غناء الحب، بصوتها النادر، إلى بعض تعابير العشق، لكنها بقيت مثل صوت جماعي، لا فردي. صوتٌ، ما كان له بالتالي أن يجالسني في مقهى، أو في شارع...

لا أحد يقوى على مخاصمة "الست"، بالطبع، حتى من المقربين منها.

كانت قديرة. تدير بنفسها ولنفسها "صورتها"، من دون حاجة إلى مدير أعمال أو تسويق.

محترمة بالطبع، من دون أن تكون قريبة. "أدبية" من دون أن تكون جذابة. كانت تشرف على جمهورها، وتمعن في الإصغاء إلى قوتها الداخلية، فيما تتشوف إلى قوة تُمكّنُها من قدراتها.

كلامي "الخفيف" هذا لن يبلغها من دون شك، إذ هي التجلي الأعلى (مع نجيب محفوظ بدرجة أقل) لوطنية مصرية تتوخى الإسهام في تاريخها، في الخلود الفرعوني من دون شك. أهذا ما دعاني إلى الكتابة عنها في قصيدة؟:

"(...) ما دام أن صوتها لا يبيح لنا التقدم منها،

ولا الجلوس،

ولا مبادلتها أي كلام...

لا تبيح لنا غير أن ننظر إليها،

من مقاعدنا الواطئة،

شاخصِين إلى فستانها، من دون أشكال جسدها،

متراقصين مع المنديل في يدها اليمنى:

تلوِّح به من بعيد".