الدكتور سايد حرقص

من زمن غولم براغ إلى زمن الذكاء الاصطناعي

4 دقائق للقراءة


منذ أن بدأ الإنسان يعي قدرته على التطور والاكتشاف، رافقه سؤال وجودي عميق: هل يستطيع الانسان أن يصنع شيئاً يتجاوز قدرته على السيطرة؟

إنه سؤال يتجاوز حدود التكنولوجيا، ليصل إلى جوهر العلاقة بين المعرفة والقوة والمسؤولية. فكل حضارة وصلت إلى مرحلة جديدة من التقدم واجهت الخوف نفسه: ماذا يحدث عندما تصبح الأدوات التي صنعها الإنسان أقوى من حكمته في استخدامها؟

قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي حقيقة علمية، عبّرت الأساطير القديمة عن هذا القلق. ومن أشهر هذه الرموز أسطورة غولم براغ، التي ارتبطت بالحاخام يهودا ليفا بن بتسلئيل، المعروف بالحاخام ليفا من براغ، في القرن السادس عشر.

بحسب الرواية الشعبية التي انتشرت لاحقاً، صنع الحاخام كائناً من الطين مستخدماً أسرار التصوف اليهودي، بهدف حماية جماعته من الاضطهاد. كان الغولم مخلوقاً يتمتع بقوة هائلة لكنه يفتقر إلى الروح والإرادة الإنسانية. لقد كان أداة لتحقيق هدف نبيل، لكنه حمل في داخله سؤالاً خطيراً: هل يمكن لقوة بلا وعي أخلاقي أن تبقى تحت سيطرة من صنعها؟

فالأسطورة لا تتحدث فعلياً عن مخلوق من الطين، بل عن حدود الإنسان نفسه. إنها تحذّر من اللحظة التي ينجح فيها الإنسان في صناعة قوة أكبر من فهمه الكامل لها. فالمشكلة ليست في أن يصبح المخلوق قوياً، بل في أن يصبح أقوى من قدرة خالقه على التوجيه. وهنا يظهر التشابه الرمزي مع الذكاء الاصطناعي.

فالذكاء الاصطناعي ليس غولماً بالمعنى الحرفي؛ فهو لا يملك رغبات أو نوايا أو وعياً مستقلاً. لكنه يمثل تحولاً تاريخياً: للمرة الأولى يصنع الإنسان نظاماً قادراً على التعلم، وتحليل المعلومات، وإنتاج المعرفة، واتخاذ قرارات معقدة في مجالات كانت مرتبطة حصراً بالعقل البشري.

وهذا يقودنا إلى سؤال فلسفي أكبر: هل الخطر في أن تصبح الآلة أكثر ذكاءً من الإنسان، أم في أن يبقى الإنسان أقل حكمة من القوة التي صنعها؟

لقد واجهت البشرية هذا السؤال سابقاً. فالطاقة النووية كانت أعظم إنجاز علمي في القرن العشرين، لكنها أصبحت في الوقت نفسه قادرة على تهديد وجود البشر. والثورة الصناعية رفعت مستوى حياة الملايين، لكنها أنتجت أيضاً تغيرات بيئية واجتماعية عميقة. المشكلة لم تكن يوماً في المعرفة، بل في قدرة الإنسان على إدارة نتائج معرفته. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الإنسان يسعى دائماً إلى تجاوز حدوده، وهذا هو مصدر تقدمه. لكنه عندما ينجح في ذلك، يخلق تحدياً جديداً: كيف يسيطر على القوة التي منحته هذا التجاوز؟

لقد أشار بعض المفكرين المعاصرين، مثل يوفال نوح هراري، إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يفرض على البشرية إعادة النظر في مفهوم الوعي والعقل والإنسانية نفسها. فالقضية لم تعد فقط: هل تستطيع الآلة أن تفكر؟ بل: إذا امتلكت الآلة القدرة على اتخاذ قرارات معقدة، فما الذي يبقى مميزاً في الإنسان؟

لكن الخطر الحقيقي ربما لا يكمن في ظهور "آلة متمردة" كما تصوّرها أفلام الخيال العلمي، بل في شيء أكثر واقعية: أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي جزءاً من قرارات اقتصادية وعسكرية وسياسية كبرى، بينما لا تزال القواعد الأخلاقية والقانونية التي تحكم استخدامها غير مكتملة.

إن غولم براغ كان تحذيراً رمزياً من عالم قد يصنع فيه الإنسان قوة لا يفهم تماماً عواقبها. والذكاء الاصطناعي هو النسخة الحديثة من هذا السؤال القديم: هل يستطيع الإنسان أن يخلق شيئاً يتجاوز قدرته على السيطرة عليه؟

الإجابة ربما لا تكمن في إيقاف عجلة التطور، فهذا يتعارض مع طبيعة الإنسان الباحثة عن المعرفة، بل في بناء نوع جديد من المسؤولية. فالإنسان لا يُقاس فقط بما يستطيع أن يصنعه، بل بقدرته على وضع حدود أخلاقية لما يصنعه.

فالخطر ليس أن يصبح الذكاء الاصطناعي شبيهاً بالإنسان، بل أن يصبح الإنسان أقل إنسانية عندما يمتلك قوة تفوق قدرته على الحكمة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي طرحته أسطورة الغولم منذ قرون هو نفسه الذي يواجهه عصر الذكاء الاصطناعي: عندما ينجح الإنسان في لعب دور الخالق، هل يملك أيضاً الحكمة التي يحتاجها كي يتحمل مسؤولية الخلق؟