لم تأتِ زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى أنقرة في سياق العلاقات الثنائية التقليدية، بل بدت محطة سياسية مفصلية تعكس تحوّلاً في مقاربة البلدين للعلاقة بينهما، في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة رسم لتوازناتها وتحالفاتها. فالزيارة، التي سبقتها زيارة رئيس الحكومة نواف سلام، وسيعقبها سلسلة لقاءات وزارية لتوقيع وترجمة عدد من مذكرات التفاهم، شكّلت تتويجاً لتحضير سياسي هدفه الانتقال بالعلاقة اللبنانية – التركية من مستوى التعاون والصداقة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، بما يفتح الباب أمام دور تركي أكثر حضوراً في الملفات التي تعني لبنان.
وتشير المعطيات التي رافقت المحادثات إلى أن النقاش تجاوز بكثير الملفات الثنائية التقليدية، ليركز على موقع لبنان في المشهد الإقليمي الجديد، وعلى كيفية توظيف الثقل التركي في خدمة الاستقرار اللبناني. فأنقرة، التي نجحت خلال السنوات الماضية في بناء شبكة علاقات متوازنة مع أطراف إقليمية ودولية متناقضة، من الولايات المتحدة إلى إيران، تبدو اليوم في موقع يسمح لها بلعب دور الوسيط أو المساند في أكثر من ملف، وهو ما يفسر الاستعداد الذي أبداه الرئيس رجب طيب أردوغان لوضع هذه العلاقات في خدمة لبنان، سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو الاقتصادي.
وفي هذا السياق، اكتسب الدعم التركي للإطار الثلاثي الذي وُقّع في واشنطن بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية أهمية خاصة، إذ يعكس اقتناع أنقرة بأن تثبيت هذا الإطار يشكل مدخلاً ضرورياً لحماية الاستقرار في جنوب لبنان ومنع الانزلاق مجدداً إلى المواجهة العسكرية. والأهم أن الموقف التركي لم يقتصر على إعلان التأييد، بل حمل استعداداً للمساهمة في إنجاح هذا المسار، بما يعكس رغبة واضحة في أن تكون تركيا شريكاً في هندسة مرحلة ما بعد الحرب، لا مجرد مراقب للتطورات.
ولعل أبرز ما ميّز الزيارة أن مختلف الملفات التي حملها الرئيس عون إلى أنقرة لقيت تجاوباً كاملاً من الجانب التركي، في مؤشر إلى وجود قرار سياسي لدى القيادة التركية بفتح صفحة جديدة مع لبنان. فإلى جانب الملف الأمني، حضر بقوة مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل)، مع قرب انتهاء مهمتها والعمل الجاري لإعادة صياغة دورها. ويبدو أن أنقرة لا تخفي اهتمامها بأن تكون جزءاً من أي ترتيبات مقبلة، سواء عبر مساهمات مباشرة في دعم الأمن والاستقرار أو من خلال استمرار تعزيز قدرات الجيش اللبناني، انطلاقاً من قناعة بأن المؤسسة العسكرية تبقى الركيزة الأساسية لحماية الدولة اللبنانية وسيادتها.
وفي موازاة ذلك، برز الملف اللبناني – السوري كأحد أبرز محاور النقاش، ولا سيما أن إعادة تنظيم العلاقة بين بيروت ودمشق باتت تفرضها تطورات المنطقة ومتطلبات المرحلة المقبلة. وفي هذا الإطار، أبدى الرئيس أردوغان استعداداً لتقديم كل ما من شأنه تسهيل الحوار بين البلدين، مستفيداً من موقع تركيا الإقليمي وعلاقاتها المتشعبة، بما يساعد على معالجة الملفات العالقة وإعادة بناء قنوات التواصل بما يخدم مصالح الطرفين ويؤسس لمرحلة أكثر استقراراً.
اقتصادياً، لم تغب الرؤية المستقبلية عن اللقاء، إذ أعيد إحياء الحديث عن مشروع التكامل الاقتصادي المشرقي الذي انطلق عام 2010 قبل أن يتوقف بفعل الحرب السورية. وإعادة طرح هذا المشروع في هذا التوقيت يعكس إدراكاً متزايداً بأن مرحلة إعادة الإعمار في المنطقة لن تقتصر على ترميم ما دمرته الحروب، بل ستقوم على بناء منظومة اقتصادية مترابطة تشمل البنى التحتية والنقل والطاقة والاستثمار والتبادل التجاري. وفي هذا الإطار، تبدو تركيا معنية بأن تكون شريكاً رئيسياً في هذا المسار، فيما يرى لبنان في المشروع فرصة لاستعادة دوره التاريخي كبوابة اقتصادية ومالية للمشرق العربي.
وتكشف القراءة السياسية للزيارة أن أنقرة تنظر إلى لبنان باعتباره أكثر من دولة تحتاج إلى مساعدات سريعة وملحاحة، بل شريكاً يمكن الاستثمار في استقراره، خصوصاً أن أي استقرار لبناني سينعكس مباشرة على شرق المتوسط وعلى مسارات التجارة والطاقة والتوازنات الأمنية في المنطقة. لذلك جاء الموقف التركي شاملاً، من دعم إعادة الإعمار، إلى تعزيز مؤسسات الدولة، مروراً بدعم الجيش اللبناني، وصولاً إلى الانخراط في كل المبادرات التي تكرس سيادة لبنان وتثبّت حضوره في معادلات المنطقة الجديدة.
في المقابل، نجحت الرئاسة اللبنانية في توسيع هامش الحركة الخارجية للبنان، عبر الانفتاح على قوة إقليمية تمتلك قنوات تواصل مع مختلف اللاعبين الدوليين والإقليميين. وهذا ما يمنح الدبلوماسية اللبنانية أوراقاً إضافية في مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع ملفات الجنوب، والعلاقة مع سوريا، وإعادة الإعمار، والتعافي الاقتصادي، مع التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط.
وعليه، يصعب التعامل مع زيارة الرئيس عون إلى أنقرة باعتبارها زيارة ثنائية عادية. فهي، في مضمونها ونتائجها، تمثل إعلاناً عن مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية – التركية، عنوانها الانتقال إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، قوامها التنسيق السياسي، والتعاون الأمني، والانفتاح الاقتصادي، والاستعداد التركي للعب دور داعم للبنان في مختلف استحقاقاته. وإذا ما استُكملت هذه الاندفاعة بخطوات تنفيذية في الأشهر المقبلة، فإن زيارة أنقرة قد تُسجل باعتبارها واحدة من أبرز المحطات التي أعادت تموضع لبنان داخل شبكة العلاقات الإقليمية.