د. بولا أبي حنا

روما... حين أصبحت الدولة هي القضية

5 دقائق للقراءة
تختبر مفاوضات روما قدرة الدولة أكثر مما تختبر شرعيتها

للوهلة الأولى، تبدو جولات روما امتدادًا للمفاوضات التقليدية حول الحدود الجنوبية والترتيبات الأمنية. إلا أن التمعن في طبيعة المرحلة يكشف أن الحدود لم تعد القضية الوحيدة، وربما لم تعد القضية الأساسية. فما يجري اليوم يطرح سؤالا أكثر عمقًا من وقف إطلاق النار أو إعادة الانتشار: هل يمتلك لبنان دولة قادرة على تنفيذ أي تفاهم قد يُتوصل إليه؟

هذا السؤال، في الواقع، يعكس تحولا لافتًا في المقاربة الدولية. فمنذ عقود، ارتبطت المفاوضات الخاصة بلبنان بمفاهيم السيادة، والانسحاب، والحدود، والقرارات الدولية. أما اليوم، فيبدو أن الاهتمام يتجه تدريجيًا نحو مسألة مختلفة: قدرة الدولة اللبنانية على ممارسة وظائفها السيادية بصورة فعلية. وهذا التحوّل لا يقتصر على الحالة اللبنانية، بل يعكس اتجاهًا متزايدًا في إدارة الأزمات الدولية، حيث باتت الأولوية تُمنح لبناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها التنفيذية باعتبارهما الشرط الأساسي لاستدامة أي تسوية سياسية أو أمنية. فقد أظهرت تجارب دول عديدة أن غياب الدولة القادرة يسمح بعودة الأزمات، مهما بلغت دقة الاتفاقات ومتانة الضمانات.

قد يبدو الفارق بين المفهومين دقيقًا، لكنه يعكس أحد أهم التحولات في الفكر السياسي المعاصر. فالسيادة لم تعد تُقاس فقط بالاعتراف القانوني أو الدولي، بل أصبحت ترتبط بقدرة الدولة على اتخاذ القرار، وإنفاذ القانون، وإدارة الأمن، وبسط سلطتها على كامل أراضيها.

ولعل هذا ما يفسر طبيعة المرحلة الحالية من المفاوضات. فالنقاش لم يعد يقتصر على المبادئ السياسية أو الالتزامات العامة، بل امتد إلى آليات التنفيذ، وترتيب الأولويات، وضمان استدامة أي تفاهم. وهذا لا يعني أن القرارات السياسية قد حُسمت، بل إن المجتمع الدولي بات أكثر اقتناعًا بأن الاتفاقات، مهما كانت متقنة، تفقد قيمتها إذا عجزت الدولة عن تنفيذها.

في هذا المعنى، تبدو جولات روما وكأنها تختبر ما يسميه علماء السياسة "قدرة الدولة" أكثر مما تختبر "شرعية الدولة". فشرعية لبنان ليست موضع نزاع، أما قدرة مؤسساته على ممارسة وظائفها السيادية، فهي التي أصبحت في صلب الاهتمام الدولي.

وتنسجم هذه المقاربة مع ما طرحه عالم السياسة الأميركي جويل ميغدال في كتابه مجتمعات قوية ودول ضعيفة، حيث يميز بين الدولة التي تمتلك شرعية قانونية، والدولة التي تمتلك قدرة فعلية على فرض سياساتها وإدارة المجال العام. كما تتلاقى مع تعريف عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر للدولة باعتبارها الجهة التي تحتكر الاستخدام المشروع للقوة، ومع أطروحات المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما الذي يرى أن قوة الدولة تُقاس بفاعلية مؤسساتها وقدرتها على تنفيذ السياسات العامة، لا بمجرد الاعتراف بها. ولذلك، لم يعد تقييم الدول يرتبط فقط بمؤشرات الشرعية أو الاعتراف الدولي، بل أيضًا بجودة الحوكمة، وفاعلية المؤسسات، وقدرتها على توفير الأمن والخدمات العامة وإنفاذ القانون بصورة متساوية على جميع المواطنين.

ومن هنا، فإنّ القيمة الحقيقية لجولات روما لا تكمن في عدد الاجتماعات أو في البيانات التي ستصدر عنها، بل في طبيعة السؤال الذي تطرحه على لبنان. فالمجتمع الدولي لا يبحث فقط عن ترتيبات أمنية جديدة، بل يريد أن يعرف ما إذا كانت الدولة اللبنانية تمتلك المقوّمات المؤسسية التي تؤهّلها لتكون المرجعية الأساسية في تنفيذ أي تفاهم والمحافظة عليه.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الاتفاقات السياسية قد تنجح في وقف الحروب، لكنها لا تكفي لبناء السلام. فالسلام المستدام يحتاج إلى دولة قادرة، ومؤسسات فاعلة، وقرار سياسي موحد. أما عندما تبقى المؤسسات ضعيفة أو منقسمة، فإن أفضل الاتفاقات تتحول مع الوقت إلى نصوص يصعب تطبيقها.

وهنا تكمن الرسالة الأهم التي تحملها روما بالنسبة إلى لبنان. فالتحدي لم يعد يقتصر على معالجة الوضع الحدودي أو منع التصعيد، بل بات يتمثل في استعادة الدولة لقدرتها على إدارة الشأن العام، وحصرية القرار الأمني والعسكري بيدها، وتطبيق القانون بصورة متساوية، بما يعيد الثقة بدورها داخليًا وخارجيًا.

غير أن هذا المسار لا يمكن أن ينجح إذا بقي اللبنانيون ينظرون إلى الدولة باعتبارها خيارًا من بين خيارات متعددة، لا المرجعية النهائية التي تلتقي عندها جميع الولاءات والانتماءات. فلا المجتمع الدولي، ولا أي تسوية خارجية، يستطيعان أن يبنيا دولة إذا غابت الإرادة الوطنية لبنائها.

لذلك، فإن السؤال الذي سيبقى بعد انتهاء جولات روما لن يكون: ماذا اتفق المتفاوضون؟ بل: هل يملك لبنان إرادة سياسية جامعة لتحويل أي تفاهم إلى فرصة فعلية لاستعادة الدولة؟

فالسيادة ليست مجرد حق يكفله القانون الدولي، بل مسؤولية تمارسها مؤسسات قوية، وقرار وطني موحد، وإدارة قادرة على فرض القانون على الجميع من دون استثناء. وربما لهذا السبب، فإن مستقبل لبنان لن يتحدد بما سيُكتب في محاضر جولات روما، بل بما سيُبنى داخل مؤسساته. فالدول لا تُقاس بما تعلنه من سيادة، بل بما تمتلكه من قدرة على ممارستها. وعند هذه النقطة تحديدًا، يبدأ الاختبار الحقيقي للدولة اللبنانية.


أستاذة جامعية