من شمال بلدة سلعاتا وحتى نفق حامات ومن شاطىء البحر وحتى التلال الواقعة شرقي طريق بيروت – طرابلس الدولية القديمة تمتد أراضي حنوش، التي تتبع اليوم بلدة حامات.
حنوش المدينة العريقة في قدمها التي تعود الى زمن الفينيقيين، كانت فيما مضى محطة للقوافل ومرفأها يزدحم بالسفن، ومع وصول المسيحيين الأوائل الى ساحل جبل لبنان أقاموا فيها ومنها انطلقوا يبشرون، ولاحقاً أصبحت أسقفية مستقلة.
تهدمت حنوش في زمن المماليك وهجرها أهلها وأصبحت مع دخول العثمانيين مطلع القرن السادس عشر مزرعة أي لا يسكنها ناس، بل يستعمل أراضيها أبناء القرى والبلدات المجاورة.
عند دخول الأمير يوسف الشهابي بلاد البترون مطلع النصف الثاني من القرن الثامن عشر، راح يوهب الأراضي الزراعية الشاسعة المتروكة للأديار فكانت حنوش من نصيب دير معاد التابع للرهبنة اللبنانية المارونية.
اهتم الرهبان بالأراضي والمحاصيل الزراعية، فازدهرت مجدداً حنوش وأصبحت سهولها تنتج القمح ومختلف أنواع الخضار، وعمل العشرات من شباب بلاد البترون في تلك السهول فعادت بيوت حنوش تضج بسكانها.
بين تلك البيوت التي لم يكن يتجاوز عددها 6 أو 7 كان يوجد بيت لسكن الرهبان كان مؤلفاً من 3 أقبية ومطبخ: قبو لاستقبال الضيوف والثاني لنوم الرهبان والقبو الثالث تم تحويله كنيسة على اسم مار ضوميط.
كان رهبان دير معاد ينتدبون راهباً أو أخاً أو أكثر للاهتمام بأراضي حنوش، وفي فترة من الفترات اعتبرت مداخيل أراضي حنوش من أهم مداخيل دير معاد.
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى تدهورت أحوال أراضي حنوش وكادت تبور ولم تنفع المعالجات، الى أن كان ما بين عامي 1931 و 1934
في ذلك الوقت كان يرأس دير معاد الأب جرجس أبي نادر من مراح الزيات المعروف بجرجس المعادي، وكان يتسلم أراضي حنوش الأخ بولس عبود من غوما، فتواصل الأب جرجس المعادي مع ابراهيم عبود شقيق الأخ بولس وطلب منه الانتقال الى حنوش والاهتمام بالأرض، وهو صاحب أملاك في غوما ولديه خبرة زراعية.
غادر ابراهيم عبود الى حنوش ومعه عدد من رجال غوما ومراح الزيات وسمار جبيل والقرى البترونية المجاورة وباشروا ورشة كبيرة في الأراضي وعادت الغلال تنقل الى دير معاد والأسواق.
أصبح في حنوش أكثر من بيت مفتوح وشكلت تلك البيوت محطة شبه ثابتة لأهالي بلاد البترون وهم في طريقهم من والى طرابلس
في حنوش تزوج ابراهيم عبود وأنجب 4 صبيان: يوسف وجرجس وفيليب وعبود.
راحت بيوت حنوش تزداد والمزارعون يتوافدون اليها الى أن حلت خمسينيات القرن المنصرم فعادت تتراجع المحاصيل الزراعية وبدأ الفلاحون من أبناء بلاد البترون يتركون حنوش عائدين الى قراهم، لكن ابراهيم عبود وقلة قليلة صمدوا.
لم تعرف أسباب تراجع الزراعة وقتها في سهل حنوش، ولكن في تلك الفترة كان هناك مفاوضات ما بين الرهبنة اللبنانية المارونية وبلدية تنورين، تقضي باستملاك أراضي حنوش الشاسعة من قبل بلدية تنورين وتحويلها الى مشتى موحد لأهالي تنورين
في المقابل تتنازل بلدية تنورين عن مساحات من مشاعاتها ناحية اليمونة للرهبنة اللبنانية، لكن المفاوضات لم تصل الى نتيجة وصرف النظر عن هذا المشروع.
هل لتلك المفاوضات علاقة بتراجع الزراعة في سهل حنوش؟
لم أستطع تأكيد هذا الأمر من أي مرجع أو مصدر.
منتصف خمسينيات القرن المنصرم غادر الرهبان حنوش الى دير معاد وسلموا المنزل والكنيسة الى ابراهيم عبود الذي بقي هناك مع أولاده وبعض العمال.
عام 1960 توفي ابراهيم عبود ودفن في بلدته غوما، وبعد سنوات قليلة تزوج ابنه يوسف وسكن حنوش فيما تزوج فيليب وعاد الى غوما وأما عبود وجرجس فتوفيا دون زواج.
بقي سهل حنوش يعطي انتاجاً زراعياً حتى دخول القوات السورية الى ساحل بلاد البترون مطلع صيف 1978 فلم تمض فترة قصيرة حتى أوقف يوسف الاهتمام بالأرض وصرف العمال
لماذا كان هذا القرار؟
تقطعت الطرقات وارتفعت الحواجز وتمركز الجيش السوري على مقربة من الأراضي فما عاد يمكن نقل وتصريف الانتاج فترك يوسف الأرض وتوجه للعمل في شركة سلعاتا.
بقي يوسف وعائلته في حنوش حتى وفاته عام 2002 وبعدها انتقلت عائلته للاقامة في سلعاتا وكان منزله آخر بيت يقفل في حنوش ومن يومها هجرت حنوش من السكان نهائياً.
كنيسة مار ضوميط:
جعل الرهبان من القبو الشرقي للمنزل الذي سكنوه في حنوش كنيسة على اسم مار ضوميط
طول القبو قرابة 8 أمتار وعرضه أقل من 6 أمتار وله باب واحد، وفي هذه الكنيسة بقي الرهبان يقيمون الذبيحة الالهية حتى مغادرتهم حنوش.
بعد رحيل الرهبان توقفت القداديس في كنيسة مار ضومط ما عدا ليلة عيده في 6 آب، فكان أهالي سلعاتا يتوجهون سيراً على الأقدام على خط سكة الحديد الى الكنيسة ويحتفلون بقداس العيد.
عند دخول القوات السورية الى ساحل بلاد البترون صيف 1978 توقف الاحتفال بالعيد في حنوش، وبعد رسامته كاهناً عام 1984 أعاد الخوري سامي سلوم هذا التقليد السنوي حتى صيف 1989
يومها كانت اندلعت حرب التحرير ونصب الجيش السوري مدافعه في سهل حنوش فضايق المسيرة ومن يومها توقفت القداديس في كنيسة مار ضوميط. رغم أن عائلة عبود بقيت حتى سنة 2002 تسكن قرب الكنيسة.
بعد توقف القداديس في كنيسة مار ضومط بقي العديد من أهالي سلعاتا يزورون الكنيسة خاصة ليلة عيد شفيعها لاضاءة الشموع والصلاة،
وعندما تركت عائلة عبود المنزل كانت الكنيسة ما تزال بحالة جيدة وصورة القديس ضومط الزيتية معلقة فوق المذبح، ولكن لاحقاً تمزقت الصورة وتحطمت الكراسي.
هذه باختصار قصة كنيسة مار ضومط في حنوش كما رواها لي عدد من الأشخاص، والتي من الواجب اعادة ترميمها ان من قبل بلدية حامات التي تتبع لها عقاريا" او بلدية سلعاتا التي كان يحج اليها طوال سنوات أهالي سلعاتا أو دير معاد لتعود مزاراً كما كانت طوال عشرات الأعوام.

