إستال خليل

"مواسم": حين يذهب المسرح إلى الجمهور

6 دقائق للقراءة

لأنّ المسرح مساحة إنسانية للحوار والتلاقي، ولأنّ بلوغ الأعمال المسرحية مختلف المناطق اللبنانية يسهم في توسيع قاعدة هذا الفن وجمهوره، جرى إطلاق مشروع فني ثقافي تحت عنوان "مواسم - مهرجان المسرح"، دعمًا للإنتاج المسرحي المحلي، وتشجيعًا للمواهب الفنية الشابة، إلى جانب تعزيز الشراكة بين القطاعين الثقافي والخاص، بما يرسّخ الاستثمار المستدام في الفنون. فعاليات "مواسم"، التي يستضيفها "Ehden Country Club" بين 20 و30 آب الجاري، ترعاها وزارتا الثقافة والسياحة، وفي خلفية هذا النشاط إحياء الحركة المسرحية اللبنانية وتعزيز حضورها خارج العاصمة، في رؤية تسعى إلى جعل المسرح جزءًا من الحياة الثقافية اليومية وربطه بالسياحة والتنمية المحلية.

عشرة أيام من الورش الفنية والأنشطة التفاعلية الثقافية المخصصة لمختلف الفئات العمرية، ومن العروض التي تبدأ في 20 آب بالمسرحية الغنائية "عالهوى سوا" من تأليف وإخراج سامر حنا، مع جوانا طوبيا وشربل أبي نادر ولين بوّاب وجاد حرب، تليها في 22 آب مسرحية "غمّض عين فتّح عين" لكريم شبلي وسارة عبده، مع سينتيا كرم وفؤاد يمّين، ثم "راديو ترانزيستور" لأدون خوري ويارا زخور في 26 آب، على أن تُختتم العروض في 28 آب بمسرحية "الدب"، المقتبسة عن نص لأنطون تشيخوف، بإعداد ديمتري ملكي وإخراج شادي الهبر، مع كريس غفري وميسا يعفوري وباولا مطران.


تجربة كاملة

فكرة "مواسم" انطلقت من قناعة بأنّ المشكلة لا تكمن في جودة المسرح اللبناني، بل في وصوله إلى الناس، تقول صاحبة مبادرة "Lebanon Seasons" ناتالي خواجة في حديثها مع "نداء الوطن"، وتتابع: "لدينا أعمال ومواهب مميزة، لكن معظم النشاط المسرحي محصور في العاصمة، بينما هناك جمهور في مختلف المناطق لا تتاح له فرصة متابعة هذه الأعمال. من هنا جاءت فكرة "مواسم" التي ستنقل المسرح إلى الجمهور، بدل أن ينتظر المسرح الجمهور للقدوم إليه".

وبحسب خواجة، "المشروع لم يُصمَّم كمهرجان مسرحي تقليدي، بل كرؤية ثقافية طويلة الأمد، تبدأ من إهدن وتنتقل مستقبلا بين مناطق لبنانية مختلفة، بحيث تحمل كل محطة هويتها الخاصة، وبرنامجها، وشخصيتها التي تنسجم مع تاريخها وثقافتها ومجتمعها". وقالت: "لا نريد من الجمهور أن يشعر بأنه ابتاع تذكرة لحضور مسرحية، بل أن يعيش تجربة كاملة: يلتقي بالفنانين، ويكتشف المنطقة، ويتفاعل مع مجتمعها. بالنسبة إلينا، نجاح "مواسم - مهرجان المسرح" لا يُقاس بعدد الحضور فقط، بل بعدد الأشخاص الذين سيخرجون وهم يشعرون بأن المسرح يمكن أن يكون جزءًا من حياتهم اليومية، وليس مناسبة موسمية عابرة".

أما اختيار "Ehden Country Club" لاحتضان أنشطة "مواسم"، فيشكّل جزءًا من رؤية المشروع، وليس مجرد اختيار لمكان إقامة العروض، تؤكد خواجة، مضيفة: "الموقع يضم أكبر قاعة مغلقة في المنطقة، لكنه في الأساس ليس مسرحًا مجهّزًا، لهذا السبب نحن لا نستفيد من مسرح قائم، بل نبني تجربة مسرحية متكاملة من الصفر. نقيم الخشبة، وننفّذ المدرجات، ونركّب أنظمة الصوت والإضاءة، ونؤمّن كل المتطلبات التقنية التي يحتاجها أي عرض احترافي. هذه العملية لا تتعلق فقط بالتجهيزات، بل باحترام الفنانين والأعمال التي تُقدَّم، وبحق الجمهور في المناطق بأن يعيش التجربة الفنية نفسها التي يحظى بها جمهور العاصمة. فيأتي الزائر من أجل المسرح، لكنه يكتشف أيضًا طبيعة المنطقة، ومؤسساتها، وأهلها. وهذا هو جوهر المشروع: أن يصبح المسرح نقطة انطلاق نحو تجربة ثقافية وسياحية وإنسانية متكاملة، لا تنتهي بإسدال الستارة على العرض المسرحي".

أما بالنسبة إلى الأنشطة التفاعلية التي يتضمّنها المهرجان، والتي تناسب مختلف الفئات العمرية، فتأتي انطلاقًا من قناعة بأنّ بناء جمهور للمسرح لا يتحقق بعرض المسرحيات ثم المغادرة، بل يبدأ عندما يشعر الناس بأن الثقافة المسرحية مساحة مفتوحة للجميع، وليست حكرًا على الفنانين أو المتخصّصين. لذا يتضمّن البرنامج عروض "Playback Theatre"، حيث يصبح الجمهور جزءًا من العرض من خلال قصصه وتجارب حياته، إضافة إلى ورش عمل للشباب والمهتمين بالمسرح، وبرامج للأطفال، بينها عرض علمي تفاعلي يجمع بين الترفيه والمعرفة.

ولاكتمال التجربة، ثمة جانب مرتبط بالسياحة الثقافية، فالمشروع، بحسب خواجة، "اعتمد منذ البداية على شراكات مع الفنادق وبيوت الضيافة والمطاعم والجهات السياحية في إهدن. طرحنا فكرة بسيطة: ماذا لو أصبح نجاح المسرح نجاحًا للمنطقة كلها؟ بناء على ذلك، انضمت معظم تلك المؤسسات إلى المبادرة، ورغم أن الفعاليات تُقام في ذروة الموسم السياحي، قدّمت حسومات لحاملي بطاقات "مواسم"، ليس لأنها مضطرة إلى ذلك، بل لأنها أرادت أن تكون شريكًا في دعم الحركة الثقافية، إيمانًا منها بأن ازدهار المسرح ينعكس إيجابًا على الجميع".


حماسة مناطقية

ردود الفعل على المشروع بدأت منذ الإعلان عنه وجاءت من مختلف المناطق اللبنانية، تقول ناتالي خواجة، التي تضيف: "تواصل معنا أشخاص وجهات من مناطق لبنانية مختلفة، عبّروا عن رغبتهم في أن تنتقل هذه التجربة إلى مناطقهم. بالنسبة إلينا، هذا هو المؤشر الأهم، لأنه يعني أن الناس التقطوا جوهر المشروع ورؤيته المتنقلة، ولم ينظروا إليه كمجرد برنامج عروض ينتهي بانتهاء هذه الدورة".

ورغم الظروف الأمنية والاقتصادية، شددت خواجة على أن "إطلاق المشروع في هذه المرحلة كان خيارًا مقصودًا، فالثقافة ليست ترفًا يُمارَس عندما تصبح الظروف مثالية، بل مساحة يلتقي فيها الناس، ويتحاورون، ويضحكون، ويفكرون. وربما في الأوقات الصعبة تصبح هذه المساحة أكثر أهمية من أي وقت آخر، وما تجاوب الفنانين، والمؤسسات الشريكة، والقطاع السياحي، والجمهور، سوى تأكيد على رغبة حقيقية في حماية الحياة الثقافية وعدم الاستسلام للظروف"، تقول خواجة.

التنوع في اختيار العروض كان خيارًا واعيًا بالنسبة إلى صاحبة الفكرة والمشروع، لكونه يسعى إلى منح مختلف التجارب المسرحية فرصة للوصول إلى جمهور جديد، مؤكدة: "لا ندّعي أننا نحكم على الأعمال أو نصنّفها، بل نريد أن نكون مساحة تساعد المسرحيين في الوصول إلى جمهور أوسع، لأن أي حركة مسرحية لا تكبر إلا عندما تجد من يؤمن بها ويمنحها فرصة للاستمرار والتطور".

وتختم قائلة: "لا نريد أن يمرّ "مواسم - مهرجان المسرح" في أي منطقة مرورًا عابرًا، بل أن نزرع فيها فكرة تجد من يكملها ويطوّرها. كما نطمح إلى بناء جمهور جديد يبدأ من المدارس والجامعات، وأن يصبح المسرح بالنسبة إليه مساحة للتعبير، لا مجرد مكان لمشاهدة عرض. فهُوية لبنان لا تُحفظ بالحجر وحده، بل بالثقافة التي تحمل ذاكرة الناس وتنقلها من جيل إلى جيل. والمسرح، من أكثر الفنون قدرة على حفظ الذاكرة، وتعزيز الانتماء، وصناعة مساحة حيّة للقاء والحوار".

وهكذا، بين طموح انتقال المسرح صوب الجمهور، وربط الثقافة بالسياحة والتنمية المحلية، وبناء شراكات تمتد من الفنان إلى المجتمع، يفتح "مواسم" أولى صفحاته من إهدن، على أمل أن تتحوّل هذه التجربة إلى مشروع وطني يجوب كل لبنان. فهل تنجح هذه المبادرة في فتح صفحة جديدة من تاريخ الحركة المسرحية في لبنان تذكّر بزمن "المسرح الجوّال"؟