جوزيف حبيب

الموت المسيَّر

3 دقائق للقراءة
غيّرت الدرونز قواعد اللعبة في الصراعات (رويترز)

غيّرت المسيّرات بمختلف أنواعها قواعد اللعبة في الصراعات والعمليات الأمنية النوعية والمهام الإغاثية والبيئية المعقّدة. لم تعد ساحات المعارك والمناطق المنكوبة حكرًا على الآلات المأهولة. غدت الطائرات المسيّرة اللاعب رقم واحد في الجبهات الساخنة وخلف خطوط العدوّ. ترصد الهدف، وتراقب تحرّكاته، وتجمع المعلومات، وتقضي عليه متى تلقّت الأوامر بذلك. استحالت المواجهة العسكرية أصعب على الفريق الأضعف، مع وجود درونز تلاحق عناصره كالتنانين الحارقة. وتزداد التحدّيات الميدانية خطورة على الجنود مع اقتحام الذكاء الاصطناعي المعادلة. لا ملاذ آمن للاختباء بعد الآن. إن لم تكن الطرف المتفوّق تكنولوجيًّا، فمحكوم عليك بالهلاك.

هزّ العالم هذا الأسبوع مقطع فيديو مرعب يوثّق مشهدًا واحدًا فحسب من عمليّات "سفاري صيد البشر" الروسية. تُظهر المشاهد الصادمة بائع خضار في خيرسون وهو يحاول الهرب والاحتماء من درون مفخّخة تحلّق على مستوى منخفض وتلاحقه قرب شاحنته، قبل أن تفجّر نفسها بجواره، لكن الرجل نجا بأعجوبة من الموت. بيد أن كثيرين غيره لم يسعفهم الحظ، فدفعوا أرواحهم ثمنًا. وفي مقابل الهجمات الروسية، تُبدع كييف في "حرب المسيّرات" على الصعيدَين الدفاعي والهجومي. لم يُخطئ بتاتًا من قال إن الحاجة أمّ الاختراع؛ فالمثال الأوكراني خير شاهد على ذلك.

نقلت كييف نيران الحرب إلى عمق الأراضي الروسية بفضل الدرونز، وأصبحت يد أوكرانيا طويلة إلى حدّ أنها تصل إلى أي نقطة تقريبًا داخل الاتحاد الروسي. ركّزت كييف على استهداف مصافي النفط والبنية التحتية للطاقة، ما فجّر أزمة محروقات لم تشهد روسيا مثيلًا لها. كما تعمّدت ضرب مراكز لوجستية تابعة لشركة "وايلدبيريز"، الملقّبة بـ "أمازون الروسية"، على امتداد خريطة "الدب الروسي". ولا يمكن إغفال "الحرب الهجينة" و"حرب إغراق السفن" المستعرة بواسطة المسيّرات الجوّية والبحرية. وتسعى كييف إلى التأثير في الرأي العام الروسي والضغط على الكرملين ودفعه إلى التفاوض على إنهاء الحرب.

أمست الطائرات المسيّرة "سلاحًا تفاوضيًّا" لا غنى عنه؛ فبوسعها توجيه رسائل مؤثّرة وموجعة، كما يحصل في الشرق الأوسط. تُعدّ المسيّرات السلاح الأمضى في جعبة طهران وأذرعها. يعمل نظام الملالي على تحسين وضعيّته على رقعة الشطرنج الإقليمية، وتتمثّل أبرز بيادقه في الطائرات المسيّرة، التي يُهدّد بها حرّية الملاحة البحرية والمضائق والبنى التحتية للطاقة، وتاليًا يفرض أمرًا واقعًا لا يُستهان به. تستطيع المسيّرات، إذا ما وُظّفت بحنكة، إحداث "نقطة تحوّل" وقلب موازين القوى مع مرور الوقت. لهذا، تتجهّز بها الجيوش والتنظيمات في كلّ أنحاء المعمورة لحروب المستقبل.

بدأت مؤسّسات تعليمية تستعين بالدرونز للتصدّي للمهاجمين. وستُجهَّز مدارس في ولايات أميركية هذا العام بطائرات مسيّرة بلاستيكية قادرة على التحليق سريعًا عبر الممرّات وتحطيم النوافذ ورشّ المسلّحين برذاذ الفلفل والاصطدام بهم. أهلًا بكم في "زمن العجائب". وما يزيد الإثارة تنامي المؤشّرات على أن روبوتات قتالية ذكية ومستقلّة باتت على وشك دخول الخدمة العسكرية. اربطوا الأحزمة جيّدًا، فالرحلة طويلة وشاقة ومحفوفة بالمخاطر.