لم تعد أزمة النفايات في شمال لبنان مجرد مشكلة خدماتية عابرة، بل تحولت إلى ملف بيئي وصحي ضاغط يطال أكثر من منطقة، في ظل غياب خطة مستدامة للمعالجة، وازدياد الاعتماد على المطامر كحل موقت يراكم الأعباء على المناطق المضيفة.
ففي عكار، يشكّل مكب سرار منذ سنوات محور الجدل حول إدارة النفايات، إذ يستقبل حاليًا نفايات المحافظة، إضافة إلى نفايات منطقة المنية ودير عمار، ما يثير اعتراضات متكررة من الأهالي الذين يعتبرون أن منطقتهم تتحمل أعباء بيئية تفوق قدرتها، في ظل ما يرافق عمل المكب من مخاوف مرتبطة بالتلوث وتأثيراته على الصحة والبيئة.
أما في طرابلس، فتتفاقم أزمة النفايات مع بلوغ المكب القائم قدرته الاستيعابية، وسط تحذيرات من عودة مشهد تراكم النفايات في الشوارع في حال عدم إيجاد حل سريع، ما دفع الفاعليات إلى البحث عن خيارات بديلة خلال المرحلة المقبلة.
وفي خضم هذه الأزمة، برز الحديث عن إمكانية اعتماد مكب سرار في عكار لاستقبال جزء من نفايات مدينة طرابلس، الأمر الذي أعاد فتح ملف العلاقة بين المناطق المنتجة للنفايات والمناطق التي تستقبلها، وأثار موجة اعتراض واسعة في عكار.
وفي منطقة الدريب، نفّذ عدد من الأهالي والفاعليات اعتصامًا احتجاجيًا رفضًا لاستمرار إدخال النفايات من خارج محافظة عكار إلى مكب سرار، مؤكدين أنهم لن يسمحوا بمرور أي شاحنات محمّلة بالنفايات إلى المكب، ولا سيما في ظل الحديث عن نقل نفايات طرابلس، إضافة إلى نفايات الميناء والكورة وزغرتا ومناطق أخرى.
وأكد المعتصمون أنهم سيلجأون إلى خطوات تصعيدية في حال استمرار إدخال النفايات، معتبرين أن عكار، بدل أن تحصل على مشاريع إنمائية وخدمات أساسية، تُحمّل أعباء بيئية إضافية نتيجة أزمات مناطق أخرى.
ويأتي هذا التحرك بعد اجتماع عقدته فاعليات في طرابلس لبحث أزمة اختناق مكب المدينة، حيث طُرح خيار اعتماد مطمر سرار كحل لاستقبال جزء من نفايات طرابلس، وهو ما قوبل برفض في عكار التي تطالب بحل شامل لا يقوم على نقل الأزمة من منطقة إلى أخرى.
من جهته، أكد عضو مجلس بلدية طرابلس ورئيس لجنة البيئة السابق الدكتور جلال حلواني أنه لم يُتخذ أي قرار نهائي حتى الآن بشأن نقل نفايات طرابلس إلى عكار، مشيرًا إلى أن اتحاد بلديات الفيحاء لا يزال في طور المباحثات، وإذا ما نُقلت إلى سرار أو غيره، فهو إجراء لوقت محدد ريثما يجري إيجاد حل نهائي لنفايات طرابلس يتم العمل عليه.
وأوضح حلواني أنه في حال التوصل إلى اتفاق، فسيُعلن عنه رسميًا، كما سيتم نشر العقد أمام الرأي العام للاطلاع على تفاصيله، سواء كان الأمر يتعلق بعكار أو بطرابلس.
ولفت إلى أنه مع نهاية شهر أيلول، الخيارات في طرابلس ليست كثيرة. فإما تراكم النفايات في الشوارع، أو وضعها في المطمر الحالي رغم المحاذير الهندسية والبيئية، خصوصًا في ظل عدم وجود شركة قادرة على استكمال العمل بعدما رفضت الشركة الحالية المتابعة وحذرت من عدم قدرتها على ذلك.
ورأى حلواني أن الحل يجب أن يُنجز خلال فترة لا تتجاوز شهرين، تفاديًا للوصول إلى أزمة أكبر، مؤكدًا أن ملف النفايات يحتاج إلى معالجة جذرية وخطة وطنية تضع حدًا للحلول المؤقتة.
يبقى السؤال المطروح: هل يكون الحل بنقل النفايات من منطقة إلى أخرى، أم بإيجاد إدارة مستدامة لهذا الملف تحفظ حق جميع المناطق في بيئة سليمة؟