منذ أيام قليلة، أعلن رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو اعتزاله العمل السياسي وحل حزبه. في بيانه ذي الصفحات الأربع، قدّم الشهير بالـ"خوجا" الاعتزال بوصفه "مسافة أخلاقية". في السياسة، حيث نادرًا ما يعترف السياسي بأن زمنه انتهى، تصبح العبارة حمّالة دلالات تتجاوز القرار ذاته. فأحيانًا يكون الانسحاب النهائي من المشهد أكثر شجاعة من الإصرار على البقاء فيه ومراكمة الخسائر، ليس على المستوى الشخصي فحسب، بل على مستوى "صالح" الدولة والجماعة التي يمثلها.
كان داود أوغلو واحدًا من أبرز منظري حزب "العدالة والتنمية"، ومهندسي صعود تركيا في العقد الأول من حكم رجب طيب إردوغان. ارتبط اسمه بنظريات وشعارات حفرت عميقًا في الأدبيات السياسية للمنطقة. أبرزها نظرية "صفر مشكلات"، واستراتيجية "العثمانية الجديدة" التي سعت إلى توظيف القوة الناعمة، والروابط التاريخية والثقافية والجغرافية والدينية مع دول المنطقة لإعادة تعريف دور موقع تركيا: من دولة تتحرك داخل لعبة جيوسياسية لا تمسك بزمامها، إلى شريك في صياغة المنظومة الإقليمية، يلعب دور الوسيط المرن في القضايا المعقدة، ومنها المسألة اللبنانية.
بيد أن عوالم السياسة لا ترحم. كان بإمكان داود أوغلو الخروج من الباب السياسي الكبير غداة "الربيع العربي"، حينما أصبح السياق الإقليمي معاكسًا للمشروع الذي حمله، وضاقت مساحة التسويات والأدوار الوسيطة التي ارتكزت عليها فلسفته الخارجية. أضاع فرصة الخروج مرة أخرى عام 2015، حينما اصطدمت أفكاره بمشروع النظام الرئاسي، فخرج من الباب الصغير مُقالا من رئاسة الحكومة و"العدالة والتنمية". بعدها، فشلت مبادراته لبناء تحالفات سياسية صلبة في تحويل رصيده الفكري والسياسي إلى قوة فاعلة.
وهنا تكمن قيمة قرار الاعتزال. في الأنظمة السياسية التي تمر بتحولات سياسية عميقة، تتغير الحكومات والسياسات، ومعها قيمة اللاعبين ووظائفهم. وما كان محورًا أساسيًا في مرحلة قد يصبح عبئًا في مرحلة أخرى. وهنا تظهر المعضلة اللبنانية. في لبنان، السياسي الذي يفشل يعيد تأويل الفشل وتبريره ولا يعتزل. ومن يخسر دوره لا يغادر المسرح، بل يغيّر جلباب ولاءاته بحثًا عن دور جديد، ويفتح معركة على أي مشروع بديل. فتتحول السياسة من تنافس على المستقبل إلى حرب لمنع الآخرين من الوصول إليه.
والإسقاط اللبنانوي في قرار داود أوغلو لا يتوقف عند حدود الاعتزال، بل يرتبط بأدواره على الساحة اللبنانية بين 2009 – 2011، المنبثقة من "اتفاق الدوحة" الذي صار "جثة سياسية" يرفض أهلوه دفنها والأخذ بعزائها، والوساطة التي قادها بالشراكة مع نظيره القطري لإنهاء ذيول الأزمة السياسية غداة إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري.
غير أن المفارقة الأكثر دلالة أن الحزب الذي قرر داود أوغلو إنهاء حياته السياسية يحمل اسم "المستقبل"، في مصادفة قدرية رهيبة. فهل يستطيع سعد الحريري، بعد كل التحولات التي عصفت بالمشهد اللبناني والسني خاصة، أن يقرأ الرسالة التركية خارج حسابات العودة والمكابرة؟
ربما يكون أفضل ما يفعله "المستقبل" هو التوقف عن احتجاز المستقبل. والأمر لا يتوقف عند الحريري، بل يسري على أقرانه سنيًا ووطنيًا. فالمتغيرات التي تعيد تشكيل لبنان لا تنهي شخصية واحدة بقدر ما تطرح هذا المصير على نموذج كامل من الزعامات والأدوار التي نشأت في مرحلة سابقة.
المشكلة في لبنان أن السياسيين يتصرفون وكأن الانسحاب من الحياة السياسية جريمة، والزعامة ملكية خاصة تنتقل مع الاسم، وظهور أي شخصية خارج منظومتها الضيقة وبركتها يمثل اعتداء عليها وليس تعبيرًا طبيعيًا عن تحولات المجتمع والجماعة.
لذلك، فإن البعد اللبناني في قرار اعتزال داود أوغلو لا ينحصر بالدعوة إلى تقليده، بل أعمق منها: اعرفوا متى تنتهي المرحلة، ومتى ينتهي دوركم فيها، ومتى يكون الانسحاب حفاظًا على ما تبقى من إرثكم، لا حماية لما لم يعد قائمًا بالأساس، أو ما لا يمكن نفخ الروح فيه بـ"أوكسيجين" مستعار.
في السياسة، ثمة فرق كبير بين من يغادر لأنه هُزم، ومن يغادر لأنه أدرك أن معركته انتهت. الأول يُطرد من التاريخ، فيما الثاني يترك له التاريخ "مسافة أخلاقية". وهنا بالضبط يصبح الاعتزال السياسي فعلا ذا قيمة سياسية... بل ربما تاريخية.