حيدر الأمين

التعليم في لبنان: حين تتحول الأقساط إلى عبء لا يُحتمل

7 دقائق للقراءة

لم يعد التعليم في لبنان مجرد مسألة أقساط مرتفعة. لقد أصبح سؤالاً عن قدرة العائلة اللبنانية على الاستمرار، وعن مسؤولية الدولة، وعن الدور الاجتماعي لمؤسسات يفترض أنها لا تقدم خدمة عابرة، بل تساهم في بناء مستقبل الإنسان والمجتمع.

في بلد يواجه انهياراً اقتصادياً متواصلاً، وتآكلاً في القدرة الشرائية، وارتفاعاً متزايداً في كلفة الحياة، يجد الأهل أنفسهم أمام أقساط مدرسية وجامعية تزداد ثقلاً عاماً بعد عام.

ولم يعد السؤال: أي مدرسة أو جامعة نختار لأبنائنا؟ بل أصبح السؤال الأكثر قسوة: هل نستطيع أصلاً أن نُبقي أبناءنا في التعليم؟

وهنا تكمن المأساة.

لا أحد ينكر أن المدارس والجامعات تواجه ارتفاعاً في كلفة التشغيل، ولا أحد يطالب المؤسسات التعليمية بأن تعمل خارج منطق الاستدامة المالية. كما لا يمكن افتراض أن كل زيادة في الأقساط هي بالضرورة استغلال أو جشع.

لكن هذا لا يلغي الأسئلة الأساسية:

كيف تُحدد الأقساط؟ ما الذي يبرر الزيادات؟ هل تتناسب فعلاً مع الكلفة؟ ومن يراقب؟

فعبارة «ارتفاع التكاليف» لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر مفتوح، خصوصاً عندما تكون العائلة هي الطرف الذي يتحمل كامل العبء. فالأب والأم لا يواجهان قسطاً تعليمياً فقط، بل سلسلة متراكمة من الأعباء: الغذاء، والطبابة، والنقل، والسكن، والالتزامات اليومية، في وقت تتراجع فيه المداخيل وتتآكل فيه القدرة على التخطيط للمستقبل. والتعليم ليس سلعة عادية يمكن الاستغناء عنها عندما يرتفع سعرها.

خلف كل قسطٍ طالب، وخلف كل طالبٍ عائلة، وخلف كل زيادةٍ قرار قد يفرض على الأسرة الاستدانة أو تقليص احتياجات أساسية أو إعادة النظر في مستقبل أحد أبنائها. هنا تصبح العلاقة بين المؤسسة التعليمية والعائلة غير متوازنة. فالعائلة لا تملك دائماً خيار الانسحاب أو البحث عن بديل. إنها تتعامل مع مستقبل ابن أو ابنة، ولذلك قد تجد نفسها مضطرة إلى قبول شروط لا تملك القدرة الحقيقية على مناقشتها. وهكذا يتحول التعليم من مصدر أمل إلى مصدر قلق.

يعيش الأب والأم تحت ضغط دائم: كيف سيدفعان القسط المقبل؟ هل يستطيعان إبقاء أبنائهما في الجامعة؟ هل يمكنهما تعليم أكثر من ولد؟ وهل سيضطر أحد الأبناء إلى التخلي عن اختصاص أو فرصة لمجرد أن كلفتها أصبحت خارج قدرة العائلة؟

هذه الضغوط لا تظهر دائماً في الأرقام، لكنها تظهر في الحياة اليومية. تظهر في أب يشعر بالعجز أمام حاجات أبنائه، وأم تحاول توزيع دخل محدود على التزامات لا تنتهي، وطالب يشعر أحياناً بأنه أصبح عبئاً على عائلته، رغم أن التعليم يفترض أن يكون حقاً يفتح أمامه المستقبل.

ومن هنا، تظهر مسؤولية الدولة.

أين الرقابة؟ أين المعايير؟ أين الشفافية؟

لا يكفي أن تترك الدولة المؤسسات التعليمية أمام خياراتها، ثم تترك العائلات وحدها أمام النتائج. فإذا كانت الدولة عاجزة عن تأمين تعليم عام جيد ومتاح، وإذا كان التعليم الخاص يشكل الخيار الأساسي أو الوحيد أمام نسبة كبيرة من العائلات، فإن مسؤوليتها في الرقابة تصبح أكبر، لا أصغر. ليس المطلوب أن تتدخل الدولة في كل تفصيل إداري، ولا أن تمنع المؤسسات التعليمية من الاستمرار أو التطور. لكن استقلال المؤسسة لا يعني إعفاءها من المسؤولية الاجتماعية، والاستدامة المالية لا تعني نقل كل أعباء الأزمة إلى الأهل.

ومن حق العائلة أن تعرف على أي أساس تُحدد الأقساط، وما الذي يبرر الزيادات، وما حدودها، وكيف تُحتسب هذه الكلفة. ومن حق المجتمع أن يطالب بجهة رقابية قادرة على التدقيق والمساءلة، لا بدولة تكتفي بمراقبة المواطن وهو يدفع. وفي المقابل، تتحمل المؤسسات التعليمية نفسها مسؤولية لا تقل أهمية. فالمدرسة والجامعة ليستا مجرد ميزانية ومداخيل ومصاريف. إنهما مؤسستان اجتماعيتان تتعاملان مع أجيال كاملة، وتؤثران في مستقبل المجتمع.

قد يكون من حق المؤسسة أن تحافظ على استمراريتها، وأن ترفع كلفتها عندما تكون هناك أسباب حقيقية ومبررة. لكن لا يمكن تجاهل الواقع الاجتماعي للمجتمع الذي تعمل فيه، ولا التعامل مع قدرة العائلات على الدفع وكأنها غير محدودة.

فالمؤسسة التعليمية لا تعيش خارج المجتمع، ولا ينبغي أن تنفصل عن أزماته. وتزداد هذه المسألة حساسية في ظل الظروف التي عاشتها عائلات لبنانية كثيرة خلال السنوات الأخيرة. فالعائلات في الجنوب، على وجه الخصوص، تحملت أعباء النزوح والخسارة والدمار والخوف، وقدمت تضحيات كبيرة لا يمكن اختزالها في خطاب سياسي أو بيان تضامني.

فهل يمكن، بعد كل ذلك، أن تواجه هذه العائلات وحدها أيضاً أقساطاً لا ترحم؟

ليس المطلوب أن تتحول التضحيات إلى امتياز، ولا أن تُستخدم المعاناة للمطالبة بمعاملة غير عادلة. لكن الحد الأدنى من المسؤولية الاجتماعية يقتضي أن ترى المؤسسات التعليمية هذه العائلات، وأن تدرك أن خلف كل طالب ظروفاً إنسانية واجتماعية مختلفة. فبعض العائلات لا تحتاج إلى خطاب تضامني جديد، بل إلى إجراءات عملية تجعل استمرار أبنائها في التعليم ممكناً.

ومع ذلك، فإن القضية ليست قضية الجنوب وحده. الأقساط المرتفعة ترهق اللبنانيين جميعاً. إنها تضغط على الطبقة الوسطى، وتدفع العائلات إلى خيارات قاسية، وتضع الأبناء أمام واقع تصبح فيه فرصهم التعليمية مرتبطة بصورة متزايدة بقدرة آبائهم على الدفع.

وهنا تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية ونفسية. فالطالب قد يشعر بالذنب لأن عائلته تكافح لتأمين قسطه. والأب قد يشعر بالعجز. والأم قد تعيش تحت ضغط لا يظهر في أي ميزانية. وقد يصبح اختيار الاختصاص الجامعي مرتبطاً بكلفته أكثر من ارتباطه بقدرات الطالب وطموحه. وهكذا، يصبح التعليم الذي يفترض أن يكون طريقاً إلى الارتقاء، سبباً جديداً للقلق وعدم الأمان.

لذلك، لا بد من نقاش جدي حول كلفة التعليم في لبنان، بعيداً عن الاتهامات العامة وبعيداً أيضاً عن التسليم بأن كل زيادة مبررة لمجرد أنها صدرت عن مؤسسة تعليمية. ليس من العدل وضع جميع المدارس والجامعات في سلة واحدة، ولا يجوز إطلاق اتهامات من دون أدلة.

لكن لا يجوز، في المقابل، أن تتحول حساسية القطاع التعليمي إلى سبب يمنع طرح الأسئلة.

كيف تُحدد الأقساط؟

من يراقب؟

هل توجد شفافية؟

هل تملك العائلات وسيلة حقيقية للاعتراض؟

وهل يمكن أن يستمر التعليم في أداء دوره الاجتماعي إذا أصبح الوصول إليه مرتبطاً بصورة متزايدة بالقدرة المالية وحدها؟

هذه ليست أسئلة عدائية تجاه التعليم الخاص. إنها أسئلة ضرورية في أي مجتمع يحترم حق الإنسان في التعلم. فالمطلوب ليس مجرد مناشدة المؤسسات التعليمية أن «ترحم» الناس، رغم أن الرحمة في زمن كهذا ليست ترفاً أخلاقياً. المطلوب هو منظومة واضحة من الشفافية والمساءلة، ودولة تقوم بدورها الرقابي، ومؤسسات تدرك مسؤوليتها الاجتماعية، وسياسات تعيد الاعتبار إلى التعليم العام.

لا يمكن أن تتحمل العائلات وحدها كل كلفة الانهيار. ولا يمكن أن يُطلب من الأب أن يدفع أكثر، ومن الأم أن تتحمل أكثر، ومن الطالب أن يشعر بالذنب أكثر، فيما تبقى الدولة عاجزة عن حماية حق أساسي من حقوق مواطنيها.

في بلد أنهكته الأزمات، لا تحتاج العائلات إلى مزيد من القسوة. تحتاج إلى دولة تقوم بدورها، ومؤسسات تدرك مسؤوليتها، وتعليم لا يتحول إلى امتياز لمن يستطيع الدفع فقط. فالتعليم ليس سلعة كمالية. والطالب ليس رقماً في دفتر الحسابات. والعائلة اللبنانية ليست ماكينة دفع لا تنفد.

ومن حق اللبناني، في هذا الزمن الصعب، أن يسأل بوضوح:

إذا كان التعليم هو الطريق إلى المستقبل، فلماذا أصبح الوصول إليه يهدد حاضر العائلات؟