المحامي رفيق اورى غريزي

أمُّ الحارث… سفيرتُنا كما نراها نحن، لا كما يراها العدو

9 دقائق للقراءة


في بلدٍ اعتاد أن يأكل أبناءه كلّما اقتربوا من إنجازٍ، لم يكن مستغرباً أن تُنصَب المشانق الإلكترونية لسفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض قبل أن يجفّ حبرُ الخبر الذي نشرته هيئة البث الإسرائيلية مساء الأحد، ومفاده أنها اتصلت بنظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر متضامنةً معه بعد إصابة ابنه، الجنديّ في جيش الاحتلال، في عملية دهسٍ في الضفة الغربية.

خبرٌ واحد، مصدره إعلام العدو، تلقّفته منصّاتٌ لا تصدّق إسرائيل في شيءٍ إلا حين تمنحها سكّيناً تغرزه في ظهر الدولة اللبنانية. وهنا تكمن الإشكالية التي لا يجوز الهروب منها: هل نحاسب الدبلوماسيّ على ما فعل، أم على ما يُنسَب إليه؟ ومتى يتحوّل النقد، وهو حقٌّ مقدّس في كل جمهورية، إلى اغتيالٍ معنويّ ممنهج غايته ليست الحقيقة بل كسرُ الصوت الواحد الذي بدأت الدولة تتكلّم به للمرة الأولى منذ عقود؟

لم تأتِ ندى حمادة معوّض من دهاليز المحاصصة، ولا من صالونات الزعامات التي توزّع السفارات كما توزّع الغنائم. جاءت ابنةُ بعقلين الشوفية من عالمٍ لا تعيش فيه الكذبة أكثر من جدول حسابات: من الأمم المتحدة حيث عملت على برامج التنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى البنك الدولي حيث بلغت موقع كبيرة الاقتصاديين والمديرة في نيابة الرئاسة لاقتصاديات التنمية، تقود ملفات شفافية الديون واستدامتها، وتفاوض الحكومات والمؤسسات المتعددة الأطراف على أزمات الغذاء وغلاء المعيشة، ثم إلى القطاع الخاص حيث شاركت في تأسيس واحدة من أكبر المنصّات الصحية على الساحل الشرقي الأميركي.

هذه ليست سيرة امرأة تبحث عن لقب، بل سيرة من تعلّمت أن التفاوض علمٌ بالأرقام قبل أن يكون فنّاً بالكلمات، وأن الدولة التي لا تعرف ماذا تملك لا تعرف ماذا تطلب. وحين تسلّمت مهامها في واشنطن عام 2025، تسلّمت أصعب سفارة في أصعب عاصمة في أصعب لحظة من تاريخ الجمهورية.

ولعلّ الذين يهاجمونها اليوم نسوا، أو تناسَوا، أن المرأة جلست في الرابع عشر من نيسان 2026 في وزارة الخارجية الأميركية، في أول لقاءٍ مباشر بين لبنان وإسرائيل منذ عام 1983، لا بصفتها الشخصية، بل مكلّفةً من رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، أي من السلطة الدستورية الشرعية التي تملك وحدها، بحكم الدستور لا بحكم السلاح، قرار التفاوض والسلم والحرب. يومها أيضاً اشتغلت ماكينة الفبركة، فانتشرت صورٌ مزوّرة لمصافحةٍ لم تحصل، إلى أن نفت الوكالة الوطنية للإعلام وقوعها جملةً وتفصيلاً، وتبيّن أن السفيرة التزمت الضوابط الدبلوماسية ولم تبادر إلى أي مصافحة.

وفي الصورة التذكارية التي أرادها كثيرون دليلاً على «التطبيع»، وقفت حيث يفرض البروتوكول أن تقف، بلا ابتسامة مجانية، بلا إيماءة زائدة، بلا ما يمكن أن يُقرأ ودّاً. ذلك أن الدبلوماسية ليست فنّ الكلام فحسب، بل فنّ ما لا يُقال وما لا يُفعَل؛ والشكلُ فيها ليس قشرة المضمون، بل هو المضمون وقد صار مرئياً.

ثم جاءت لحظة التوقيع على الإطار الثلاثي في حزيران، وهي اللحظة التي كان ينبغي أن تُغلق أفواه المشكّكين إلى الأبد. وقف السفير الإسرائيلي أمام الكاميرات، وأمام وزير الخارجية ماركو روبيو، واعترف بأنها كانت مفاوِضةً صعبة المراس، وقال لها بالحرف: «تقاتلين كلبوة». لم يكن ذلك مديحاً مجانياً من خصمٍ مهذّب، بل كان إقراراً من الطرف الآخر بأن الطاولة لم تكن نزهة، وأن لبنان لم يأتِ ليوقّع ما يُملى عليه. فماذا فعلت ندى معوّض؟ لم تردّ التحية بمثلها، ولم تبادله المجاملة بمجاملة، ولم تلتقط الطُّعم. شكرت رئيس جمهوريتها ورئيس حكومتها والدولة المضيفة، وعرّفت الاتفاق بأنه خطوة أولى على طريق استعادة السيادة اللبنانية ووحدة الأرض، ووقفٍ دائم ونهائي للأعمال العدائية، وعودة الناس إلى أرضهم. كان صمتها حيال مديحه جملةً كاملة في لغة الدبلوماسية، تقول: أنت خصمي على هذه الطاولة، وقد جئتُ لأنتزع حقّ بلدي منك، لا لأتبادل معك الأوسمة. أما الوصف الذي يليق بها، فلن نأخذه من فم خصمها.

وليست هذه المدرسة غريبة عن لبنان ولا عن تاريخ الدبلوماسية. فحين وقف غسان تويني في مجلس الأمن عام 1978 صارخاً «دعوا شعبي يعيش»، لم يكن يستجدي عطف إسرائيل، بل كان يحاصرها بالشرعية الدولية حتى وُلد القرار 425 الذي ظلّ اثنين وعشرين عاماً، حتى التحرير عام 2000، السلاحَ القانوني الأمضى في يد الدولة. وحين جلس لي دوك تو قبالة هنري كيسنجر في باريس سنواتٍ طويلة، لم يمنحه تنازلاً مجانياً واحداً، ثم رفض جائزة نوبل للسلام لأن السلام في رأيه لم يكن قد اكتمل. وحين خاض نبيل العربي وفريق مصر القانوني معركة التحكيم على طابا، استعادوا الأرض بالوثيقة والخريطة والحجة، لا بالبيانات النارية ولا بالصواريخ العابرة للمنابر. هؤلاء جميعاً جلسوا مع العدو، وفاوضوه، ووقّعوا معه، ولم يخن أحدٌ منهم بلده؛ بل خانه أولئك الذين أرادوا للحرب أن تبقى مفتوحة إلى الأبد لأنها وحدها تبرّر وجودهم. وفي المقابل، يعلّمنا اتفاق السابع عشر من أيار 1983 درساً معاكساً: أن الاتفاقات التي توقّعها دولةٌ ضعيفة، منقسمة، مخترَقة، تسقط قبل أن يجفّ حبرها. والفرق اليوم أن الدولة التي تمثّلها ندى معوّض ليست دولة 1983؛ إنها دولةٌ بدأت، ولو متأخرة، تكشّر عن أنياب سيادتها.

ولأن بعض الأقلام تهوى التشبيهات الرخيصة، لا بدّ من القول بوضوح: ندى معوّض ليست أشرف مروان. ليست رجلَ ظلّ يتنقّل بين العواصم بحقائب مزدوجة الولاء، ولا لغزاً يُكتب عنه بعد نصف قرن. إنها دبلوماسية تعمل في الضوء، بتكليفٍ علنيّ من دولة دستورية، ببيانات مسجّلة ومحاضر منشورة وتصريحات موثّقة على موقع وزارة الخارجية الأميركية نفسها. ومن يعمل في الضوء لا يحتاج إلى اتصالاتٍ سرّية ليقول ما يريد، ولا يمنح خصمه على الهاتف ما رفض أن يمنحه إياه أمام الكاميرات.

فلننظر إذاً في تشريح الحملة، لأن تشريحها وحده يكفي لإدانتها. «مصادر دبلوماسية غربية» بلا اسم ولا صفة ولا عاصمة. خبرٌ منقول عن هيئة البث الإسرائيلية، أعيد تدويره عبر مواقع حزبية، ثم عُمّم على مجموعات الواتساب بعنوانٍ يطرح سؤالاً عن «من تمثّل الدولة اللبنانية في واشنطن». والمفارقة التي تُضحك الثكالى أن الذين يعلّموننا صباح مساء أن الإعلام الإسرائيلي آلة حرب نفسية لا يُصدَّق منها حرف، صاروا فجأة تلامذة نجباء عند «كان»، يأخذون عنها الخبر ويبنون عليه الأحكام ويصدرون فتاوى التخوين. فإما أن الإعلام الإسرائيلي كاذب دائماً، وإما أنه صادق دائماً؛ أما أن يكون كاذباً حين يفضحهم وصادقاً حين يخدمهم، فتلك ليست صحافة، بل انتقائية مَن قرّر الحكم قبل المحاكمة. وقد نفت مصادر مقرّبة جداً من السفيرة، ومطّلعة مباشرة، هذا الادعاء جملةً وتفصيلاً. ولم تكن هذه الموجة الأولى: ففي نيسان كانت الصور المفبركة للمصافحة، وفي حزيران كانت الرسوم التي وصمتها بالخيانة، واليوم خبرٌ منقول عن العدو نفسه. ثلاث موجات، ومنهجٌ واحد، وهدفٌ واحد.

وهذا الهدف ليس فلسطين، ولا الضفة، ولا حقّ مقاومة الاحتلال الذي يتباكون عليه في نصٍّ ويصادرونه في كل نصّ آخر. الهدف هو الدولة اللبنانية ذاتها حين تجرّأت على أن تستعيد قرارها. إن الاغتيال المعنوي في لبنان لم يكن يوماً ترفاً لغوياً؛ لقد كان في تاريخنا القريب مقدّمةً لما هو أسوأ، وكل من عاش العقدين الأخيرين يعرف كيف تبدأ الحكاية بحملة تخوين وكيف تنتهي. ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم ليس ترفاً ولا مبالغة: هل هذه الفبركات تمهيدٌ لاغتيالٍ معنويّ ودبلوماسي، يُخرج السفيرة من الطاولة ويُعيد لبنان صندوقَ بريدٍ لرسائل الآخرين؟ إن من يريد أن يُسقط المفاوِضة لا يريد مفاوِضاً أفضل؛ إنه يريد ألّا تكون هناك مفاوضات أصلاً، وأن يبقى الجنوب ساحةً مفتوحة لمغامراتٍ دونكيشوتية في وجه شياطين العالم، يدفع اللبنانيون ثمنها من دمهم وبيوتهم وأعمار أبنائهم، ويقبض غيرُهم ريعها في عواصم أخرى.

والحال أن المرء يُعرَف بخصومه كما يُعرَف بأصدقائه. وحين تجتمع على شخصٍ واحد سهامُ من خسروا احتكار قرار الحرب، وأقلامُ من اعتادوا أن يكتبوا بحبرٍ مستعار، وأصواتُ من لم يُقنعهم يوماً أن للبنان دولة، فاعلم أن هذا الشخص يقف في المكان الصحيح. ليست الوطنية أن تصرخ في وجه العدو من خلف الشاشات ثم تترك أرضك محتلة، بل أن تجلس قبالته ساعاتٍ طويلة، تحصي عليه الشبر والمتر والنقطة الحدودية، ولا تقوم عن الطاولة إلا وقد انتزعت منه شيئاً لشعبك.

قال السفير الإسرائيلي إنها تقاتل كلبوة. ولسنا في حاجةٍ إلى شهادة العدو لنعرف من تكون سفيرتنا؛ فالوصف الآتي من الخصم يبقى، مهما صدق، وصفاً مستعاراً، ونحن لا نستعير من إسرائيل حتى المديح. أما نحن، اللبنانيين المنتمين حتى الأعناق إلى لبناننا، فنراها بعيوننا لا بعينيه: إنها أمُّ الحارث. والحارث في لسان العرب من أسماء الأسد، وأبو الحارث كنيته؛ فهي ليست لبوةً تُعرَف بالأسد وتُنسَب إليه، بل الأمُّ التي تلد الأسود وتربّيها وتذود عنها. أمُّ الحارث في دفاعها عن أشبالها، عن أطفال الجنوب العائدين إلى قراهم، عن النازحين الذين ينتظرون أن يكون لهم بيتٌ يعودون إليه، عن جيلٍ كاملٍ يستحق أن يعيش في بلدٍ لا تُقرَّر حروبُه في غيابه. وأمُّ الحارث في مواجهتها الشرسة للإسرائيلي على طاولة لا يرحم فيها الخصم ولا يُعطي إلا ما يُنتزع منه. وأمُّ الحارث في احتمالها غدرَ الأفاعي من الداخل، تلك التي لا تلدغ العدو أبداً، بل تنتظر دائماً أن يُدير أبناء البيت ظهورهم. إنها تحمي الوطن بأشفار عيونها، في زمنٍ قلّ فيه من يحميه بغير لسانه.

سيأتي يوم، وهو ليس ببعيد، يُكتَب فيه تاريخ هذه المرحلة. وسيتذكّر اللبنانيون عندها أن السلام لا يصنعه الضعفاء ولا المزايدون، بل يصنعه الأقوياء الذين يعرفون متى يقاتلون ومتى يفاوضون، وأن الأرض التي تعود بالقانون والدبلوماسية لا تقلّ قداسة عن الأرض التي تعود بغيرهما، بل ربما كانت أبقى. وسيذكرون أن امرأةً من بعقلين وقفت في واشنطن، في أقسى لحظات الجمهورية، تمثّل دولةً قرّرت أخيراً أن تكون دولة. أما الذين فبركوا ونشروا وخوّنوا، فلن يذكرهم أحد إلا في الهوامش، حيث تُحفَظ أسماء من وقفوا دائماً في الجهة الخطأ من التاريخ. تحيةً لندى حمادة معوّض، سفيرة الدولة لا سفيرة الدويلات، وأمّ الحارث في زمن الأفاعي.