رماح هاشم

موظفو القطاع العام : نرفض التقسيط ونخوض معركة رفع الاجور ثلاثين ضعفاً

4 دقائق للقراءة

تدخل أزمة رواتب موظفي الإدارة العامة مرحلة جديدة من التصعيد، في ظل استمرار الفجوة الكبيرة بين الأجور وكلفة المعيشة، وعدم قدرة الزيادات التي أُقرت خلال السنوات الماضية على استعادة الجزء الأكبر من القدرة الشرائية التي فقدتها الرواتب منذ الأزمة المالية. وفي وقت تحاول فيه الحكومة إدارة ملف الأجور ضمن هامش ضيق تفرضه المالية العامة، تتمسك روابط القطاع العام بضرورة تثبيت الزيادات في صلب الراتب، باعتبارها مدخلا إلى معالجة أكثر استدامة لواقع الأجور.


برزت في الفترة الأخيرة مسألة تقسيط الزيادات في رواتب موظفي القطاع العام، ومفاعيلها الرجعية، وتحولّت الى عنوان أساسي للتوتر بين الحكومة وموظفي الإدارة العامة. وفيما ترى السلطة التنفيذية أن معالجة الملف مرتبطة بالإمكانات المالية المتاحة، تعتبر الروابط أن أي تأجيل أو تجزئة للحقوق سيؤدي إلى إطالة أمد تآكل الأجور، ويدفع بالموظفين إلى مزيد من التصعيد، في وقت باتت فيه استعادة القدرة الشرائية للقطاع العام جزءًا أساسيًا من إعادة انتظام عمل مؤسسات الدولة.


الهدف ليس التصعيد

في هذا السياق، يوضح ممثل تجمع روابط القطاع العام، إبراهيم نحال لـ "نداء الوطن"، أن "المعركة لا تتمحور فقط حول تقسيط الزيادات أو عدم دفع المضاعفات الستة ومفاعيلها الرجعية دفعة واحدة"، مشيرًا إلى أن "الهدف ليس الإضراب والتصعيد من أجل موضوع التقسيط أو عدم إعطاء 6 رواتب دفعة واحدة أو 6 مضاعفات دفعة واحدة، أي مفعولها الرجعي".

ويلفت إلى أن "الروابط تعتبر أن هذه الزيادات ومفاعيلها الرجعية حق مكتسب للموظف، وبالتالي يجب دفعها نقدًا ومن دون تقسيط"، معتبرًا أن "تجزئتها تتعارض مع آلية العمل النقابي ومع المطالبة بتثبيت الحقوق المالية للموظفين".

ويؤكد أن "الاتجاه نحو التصعيد يرتبط، في جانب أساسي منه، بما تعتبره الروابط توجهًا حكوميًا لتأجيل الاستحقاقات المالية إلى مراحل لاحقة"، موضحًا أن "المشكلة ليست فقط في التقسيط، بل في الهدف من ورائه"، في إشارة إلى الخشية من ترحيل استحقاقات الموظفين إلى العام 2028.

ويشرح نحال أن "مطلب الروابط يرتكز على الوصول، اعتبارًا من 1 كانون الثاني 2027، إلى 30 ضعفًا من الراتب، بما يسمح، وفق تقديره، باستعادة نحو 50 % من القيمة الشرائية للرواتب مقارنة بعام 2019، على أن تستكمل لاحقًا عملية إدخال مختلف الزيادات والإضافات في صلب الراتب".


سلسلة جديدة للأجور

يضيف: "المرحلة التالية يجب أن تتمثل في إقرار سلسلة جديدة للرتب والرواتب، ترتبط بمؤشر التضخم وارتفاع كلفة المعيشة، وصولا إلى اعتماد آلية أكثر استدامة للأجور، بما فيها السلم المتحرك، بدلا من معالجة الرواتب عبر زيادات ظرفية ومتقطعة".

وفي انتقاد مباشر لآلية معالجة الملف، يرى نحال أن "الحكومة ووزير المالية يسعيان، من خلال خيار التقسيط، إلى ترحيل استحقاقات الموظفين والتأخر في تنفيذ الالتزامات التي سبق إقرارها"، معتبرًا أن "الاتجاه هو لدفع الملف إلى آب 2027 بدلا من تنفيذ الاستحقاقات في مواعيدها".

ويشير إلى أن "التذرّع بعدم توافر الأموال لا يقنع الروابط، خصوصًا في ظل قرارات مالية أخرى اتُخذت لمصلحة مسؤولين وموظفين في مواقع مختلفة داخل الدولة".

وفي هذا السياق، ينتقد ما يعتبره تفاوتًا في مستويات الأجور، قائلا إن "الأموال متوافرة للنواب والوزراء وغير متوافرة للموظفين"، معتبرًا أن هذا الواقع "معيب وغير مقبول".

ويضع نحال التصعيد النقابي في إطار أوسع من مجرد خلاف على آلية دفع، متسائلا عن مستقبل الإدارة العامة وقدرة الدولة على الحفاظ على موظفيها في ظل استمرار تراجع القدرة الشرائية، ومعتبرًا أن المطلوب هو معالجة جذرية لملف الأجور تحول دون دفع الموظف إلى اليأس أو الخروج من الوظيفة العامة.

وفي ظل تمسك الحكومة باعتبارات المالية العامة، مقابل إصرار روابط القطاع العام على تنفيذ الاستحقاقات المالية وعدم ترحيلها، يبدو أن ملف الرواتب يتجه إلى مزيد من التجاذب. وبينما يشكل تحسين الأجور ضرورة للحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية الإدارة العامة، يبقى التحدي الأساسي في إيجاد صيغة مالية مستدامة توازن بين قدرة الخزينة وحق الموظفين في أجور تستعيد جزءًا ملموسًا من قدرتها الشرائية، بعيدًا من الحلول المؤقتة التي تعيد إنتاج الأزمة مع كل استحقاق جديد.