ثمّة فئة من الناس لا نتحدث عنها بما يكفي. إنهم لا يسرقون المصارف، ولا يزوّرون الشيكات، ولا يخترقون بطاقات الائتمان، بل يفعلون ما هو أسوأ بكثير: يستعيرون الكتب. كلمة "استعارة" في الواقع أعجوبة من عجائب اللغات كلّها بلا استثناء. فهي تحمل في طياتها كذبة. نعتقد أن الكتاب سيعود إلينا، لكن في الحقيقة، الأمر أشبه بتبنّ خفيّ أو تجنيسٍ سريّ. يغادر الكتاب رفّ المكتبة بابتسامة عريضة، ليجد فورًا بيتًا جديدًا، وعائلة جديدة، وأحيانًا حتى مالكًا جديدًا ينسى تمامًا أنه ليس ملكه. الأصدقاء الذين يستعيرون الكتب أناسٌ ساحرون. ينظرون إليك بعيون لامعة، قائلين: "سأعيده الأسبوع القادم".
تلك العبارة تُعدّ من روائع الأدب العالمي، وتستحق مكانة مرموقة بين بابا نويل وحميات إنقاص الوزن التي تعد بتناول الشوكولا. وأنا، لسنوات، صدّقتُ هذا الوعد. كنتُ صغيرة، وأومن بالإنسانية، وكنت أظن أنّ مصير الكتاب كمصير المظلة المستعارة أو الطبق المُعاد مع بعض البسكويت. يا لسذاجتي! ثم اكتشفت أنّ للكتب خاصية غريبة. فما إن تعبر عتبة منزل آخر حتى تُصاب بفقدان ذاكرة تام، وتنسى عنوانها الأصلي.
لكن قبل أيام قليلة، حدثت معجزة: أعادت لي صديقة كتابًا. حتى الآن، لا شيء غير عادي، سوى أنها استعارته مني عام 1992. نعم، 1992! إذن، عاش الكتاب أربعة وثلاثين عامًا في المنفى قبل أن يعود إلى موطنه. نظرت إليه كما يستقبل المرء بحّارًا أُنقذ من حطام سفينة. كدت أسأله إن كان سعيدًا، وإن كان قد أكل جيدًا، وإن كان قد عانى من البرد. مرّرتُ يدي على غلافه المصفّر بانفعال لا يتناسب مع مشاعري. لقد تركت السنون بصمتها عليه. كان لون الورق كلون الكتب التي عاشت حياة طويلة، لونٌ لا يمكن لأي كتاب رقمي محاكاته.
إنه كتاب باللغة الفرنسية اسمه "قاموس الرموز". كنتُ قد نسيته تمامًا، وكان الأمر أشبه بالعثور على رسالة كتبتها لنفسي في زمن آخر. لثوانٍ معدودة، شعرتُ وكأنني أصغر بعشرين عامًا، وربما حتى ثلاثين.
رقميات لا تضيع
الكتب بصيغة "PDF" عملية جدًا، أستخدمها كغيري. حجمها أصغر من حجم رواية ورقية، وتناسب جهازًا لوحيًا. لا تشغل حيّزًا. لا تنبعث منها روائح الزمن، ولا يتغيّر لونها، ولا تلتصق بها الزهور الذابلة. لا تحمل آثار القهوة المسكوبة صباح يوم أحد. لا تروي قصة حياة صاحبها، ولا تمرّ عليها ريشة الغبار باستمرار.
أما الكتاب القديم، فهو كحيوان أليف. يحمل آثار الزمن، ويحفظ الذكريات من دون أن يُطلب منه ذلك. أعدتُ كتابي القديم إلى رفّه باحترام يليق ببطل قومي. لكن هذه القصة ذكّرتني باختفاء آخر.
كان بحوزتي كتابٌ للصحافية Jeanne Cressanges أحببته كثيرًا: "Ce que les femmes n'avaient jamais dit" (ما لم تقله النساء أبدًا). اختفى ذات يوم! أين ذهبت يا كتابي العزيز؟ قلبتُ المكتبة رأسًا على عقب. ألقيتُ باللوم على مهاراتي التنظيمية، وشككتُ في انتقال الكتاب لوحده، بسحر ساحر، من مكان إلى آخر، حتى إنني فكرتُ في ظاهرة خارقة للطبيعة متخصصة في تمزيق الحكايا النسوية.
وجُلّ ما توصلت إليه، بعد طول تفكير، هو أن أحدهم استعاره مني في أواخر الثمانينات. لكنني لم أستطع تذكّر الفاعل! مرّت عقود، حتى جاء "فايسبوك"، ذلك التطبيق المذهل الذي يتيح لنا التواصل مجددًا مع زملاء الدراسة، وتسريحات شعرنا القديمة، وأحيانًا كتبنا المفقودة.
كنت قد نشرت "بوست" عن كتاب "La Jalousie"، لأنقل خبر رحيل كاتبته Madeleine Chapsal، وإذا بصديق قديم يترك تعليقًا بريئًا... إنما ليس تمامًا. عندما قرأته، لمعت في ذهني فكرة. بالطبع، كان هو الفاعل. لم يكن لدي أي دليل مادي، بل فقط ذلك اليقين السخيف الذي لا يعرفه إلا المحققون الهواة، كيقين Sherlock Holmes وهو يتعقّب قاتلا بفضل بقعة طين. تعرّفت إلى "خاطف الكتاب" بفضل تعليق على "فايسبوك". لم أحمّله حتى أدنى لوم، ففي هذه المرحلة، ربما اكتسب الكتاب جنسية مزدوجة. ربما أنجب أطفالا.
الحق على النسيان
الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أنّ مستعيري الكتب نادرًا ما يكذبون. إنهم ينسون الأمر بصدق مُذهل. تخبرهم أنك تريد كتابك. يجيبونك بنظرة استنكار، ويردّون: "لكن بالطبع، سأعيده لك". ويكونون جادّين في كلامهم. ثم يعودون إلى منازلهم، ويضعون مفاتيحهم، ويُطعمون القطة، ويُجيبون على رسالتين، ويتفقدون حالة الطقس... وينسونك أنت وكتابك فورًا!
وثمّة فئة أخرى أيضًا: إنهم المستعيرون التعساء، أولئك الذين يفقدون الكتاب المستعار. كان لديّ كتابٌ رائعٌ عن حياة إخوة وعائلة القديس شربل مخلوف. كتابٌ نادر، ليس من الكتب الحاضرة في كل زاوية شارع. أحببته حبًّا جمًا. استعاره مني صديق عزيز. وكم طلبت منه إعادته، لا لأنني لجوجة، العياذ بالله، بل فقط لأنني أريد استرجاعه. فأجابني، بصدق آسر، بأنه لم يعد يتذكر أين وضعه.
لطالما وجدتُ هذه الجملة غريبة: "لا أعرف أين وضعته!". كأنّ الكتاب قرّر ذات صباح أن يغادر المنزل، تاركًا رسالة صغيرة: "لا تبحث عني. أحتاج إلى ترتيب أموري. ذهبتُ إلى منزل شخص آخر لأفكر".
ربما تعيش الكتب المفقودة حياة سرية. أتخيّلها ليلا، مجتمعة في مكتبة سريّة واسعة، تحكي عن بيوتها السابقة، وتُظهر لبعضها إهداءاتها، وتتبادل الفواصل كما لو كانت صورًا عائلية!
تمرين روحي
مع الوقت، أدركتُ أن إعارة كتاب ليست عملا من شيم الكرم. إنها أشبه بتمرين روحي، نتعلم من خلاله التحرّر من التعلّق. نتخلى عن الملكية، ونتقبل أنّ بعض الروايات لها مصيرٌ أكثر مغامرة من صاحبها.
ومع ذلك، ورغم كل هذه الاختفاءات، ورغم كل هذه الوعود الضائعة، ورغم كل هذه الاستكشافات الأدبية التي تصلح لأن تكون رواية تشويق، ما زلتُ أُعير الكتب. أعلم، لم أُشفَ بعد! يكفي أن يُخبرني صديقٌ أنه متشوق لقراءة كتاب أحبّه، فأُسلّمه إياه بابتسامة من يُوقّع وصية.
في أعماقي، ربما ليس الأمر سيئًا إلى هذا الحد. كتابٌ يرقد على الرفّ إلى الأبد أمرٌ محزن بعض الشيء. الكتاب الذي يسافر يعيش حياة طويلة. أتمنى فقط أن يتذكر إرسال بطاقة بريدية بين الحين والآخر.
لكن تبقى تلك اللحظات النادرة من النعيم: تدقّ صديقةٌ جرس بابك، وتعطيك كتابًا استعارته عام 1992. تتناوله بين يديك، وتستعيد رائحته وورقه المصفرّ، وتبتسم كطفل، وتقول لنفسك إن بعض العودات نادرةٌ إلى درجة أنها تستحق كل الغيابات.
من جهة أخرى، إن كان أحدٌ ممّن يقرأ هذه السطور لا يزال يحتفظ بنسختي من كتاب Jeanne Cressanges أو النسخة عن "عائلة القديس شربل"، فليعلم شيئًا واحدًا: لستُ ناقمة، أنا صبورة جدًّا. ففي النهاية، لديّ الآن دليلٌ قاطع على أن الكتب تعرف طريق العودة. قد تتأخر أربعة وثلاثين عامًا، لكنها تصل في النهاية.
لذلك، إذا كان أحدكم لا يزال يحتفظ بأحد كتبي... فلا داعي للعجلة. سأكون بانتظاركم. آمل فقط أن أكون لا أزال على قيد القراءة عندما تقرّرون إعادته.