ريتا عازار

الجدّات يبتسمن بصمت

"هارفارد" تفسد تجارة السعادة

6 دقائق للقراءة

لو أنصت الإنسان إلى كل النصائح المنتشرة حول السعادة، لما وجد وقتًا ليكون سعيدًا أصلا. سيستيقظ قبل الفجر، ويتأمل، ويكتب يوميات الامتنان، ويشرب عصيرًا أخضر، ويعدّ خطواته، ويبتسم للمرآة... ثم يكتشف، في نهاية اليوم، أنه كان مشغولا بالبحث عن السعادة أكثر من الاستمتاع بها. ثم جاءت "جامعة هارفارد" بكل هذا الهدوء العلمي المزعج وأفسدت الحفلة. 

بعد عقود طويلة من متابعة حياة البشر، اكتشف الباحثون في الجامعة العريقة أن السعادة ليست موجودة في صندوق فاخر، ولا في تطبيق جديد، ولا في طريقة تنفّس تحتاج إلى شهادة معتمدة. وكانت النتيجة بسيطة جدًا إلى درجة أنها كادت تبدو غير لائقة بعد كل هذا البحث: السعادة تأتي من العلاقات الجيدة مع الآخرين. نعم، هذا هو السر الكبير الذي احتاج إلى عشرات السنين لاكتشافه. إنها الفكرة نفسها التي كانت تردّدها الجدّات منذ زمن بعيد، عندما كنّ يدعون الناس إلى الجلوس معًا وتناول الطعام والحديث، بدلا من مراقبة الآخرين من خلف الشبابيك أو الشاشات الصغيرة.

لاحِظوا أنّ المشكلة ليست في النتيجة، بل في قدرتنا العجيبة على تجاهل الأشياء الواضحة. نحن نحب الحلول المعقدة. فلو أخبرنا أحد العلماء أن السعادة تعتمد على مادة نادرة مختبئة داخل جسم الإنسان وتحمل اسمًا لا يمكن نطقه، لتسابق الجميع إلى شراء كتابه وحضور محاضراته. أما إذا قيل لنا إن علينا فقط أن نتصل بصديق قديم ونقضي وقتًا مع من نحب، فإننا نردّ بكل جدية بأننا سنفعل ذلك لاحقًا. وكلمة "لاحقًا" هذه ربما تكون أكثر الأماكن ازدحامًا في العالم. هناك نضع كل الأمور المهمة التي لا نملك وقتًا لها. هناك سنزور الأصدقاء، ونتصل بالأهل، ونمارس الرياضة، ونقرأ الكتب التي اشتريناها، ونرتب الصندوق المليء بالأسلاك الذي لا يعرف أحد لماذا نحتفظ به.


العلاقات مثل التطبيقات

المضحك أننا، في العصر الحديث، بدأنا نتعامل مع العلاقات الإنسانية وكأنها حسابات على الهاتف؛ فإذا تأخر شخص في الرد بضع ساعات، تبدأ التحليلات: هل تغيّر؟ هل لم يعد يهتم؟ هل انتهت العلاقة؟ هل ينبغي حذف الرقم؟

أحيانًا يحتاج الإنسان إلى جلسة طويلة مع نفسه فقط لأنه لم يحصل على رد سريع من شخص كان مشغولا بقيادة السيارة أو بإعداد الطعام. وفي المقابل، يقول الباحثون ببساطة إن التواصل مع الآخرين فكرة جيدة. تحدّث مع من تحب، واسأل عن أحوالهم، واجلس معهم، واستمع إليهم. يا لها من فكرة ثورية إلى درجة أنها قد تحتاج إلى إعلان مدفوع على الإنترنت حتى ينتبه إليها الناس.

وفي الجهة الأخرى، تقف صناعة تطوير الذات وهي تحاول استيعاب الصدمة. سنوات طويلة من بيع الوصفات السحرية، ثم يأتي بحث علمي كبير ليقول إن مكالمة مع شخص قريب قد تكون أكثر فائدة من عشرات الخطوات الغامضة التي تعلّمنا كيف نصبح نسخة مثالية من أنفسنا. تخيّلوا اجتماعًا داخل دار نشر، يقول فيه أحد الموظفين: لدينا مشكلة كبيرة. فيسأله المدير: ماذا حدث؟ فيردّ: لدينا دراسة تقول إن الناس يصبحون أكثر سعادة عندما يجلسون مع أصدقائهم. يصمت الجميع، ثم يسأل أحدهم: كيف سنبيع كتابًا من أربعمئة صفحة يشرح للناس أنهم يحتاجون فقط إلى دعوة صديق إلى العشاء؟ وتبدأ الأزمة.


تلمع ثم تختفي

من أكثر الأمور التي تكشف علاقتنا الغريبة بالسعادة أننا نعتقد أنّ الأشياء ستمنحنا شعورًا دائمًا بالرضا. نشتري هاتفًا جديدًا ونشعر أننا بدأنا حياة جديدة؛ ونشتري سيارة ونعتقد أن الطريق أصبح أجمل؛ ونشتري قطعة أثاث ونشعر أن المنزل تغيّر بالكامل. لكن الدماغ لديه حس فكاهي قاسٍ؛ فبعد أيام قليلة، تصبح الأشياء الجديدة عادية. الهاتف الذي انتظرناه بشغف يصبح مجرد هاتف، والكرسي الفاخر يصبح مكانًا نجلس عليه من دون أن نفكر فيه.

إذا حاولنا أن نتذكر لحظة سعيدة جدًا مع جهاز منزلي اشتريناه قبل سنوات، فإننا على الأغلب لن نتذكّر شيئًا. ولكن إذا حاولنا أن نتذكر غداء عائليًا تحوّل إلى فوضى مضحكة، أو موقفًا سخيفًا مع الأصدقاء، أو ضحكة جاءت في وقت غير متوقع، فإننا سنتذكر التفاصيل كلّها. يبدو أن العقل لا يخزّن الأشياء بحسب السعر، بل بحسب المعنى. ولهذا، تبقى لحظة ضحك عابرة أكثر حضورًا من قطعة إلكترونية دفعنا فيها مبلغًا كبيرًا.


85 عامًا

لقد أثبت باحثو "جامعة هارفارد" مرة أخرى أنّ لديهم متسعًا كبيرًا من الوقت. ففي الوقت الذي ينشغل فيه بعض الأكاديميين بجدالات نظرية لا تنتهي، اختار هؤلاء أن يتابعوا حياة البشر لأكثر من 85 عامًا. وكان ذلك يتطلّب قدرًا هائلا من الصبر، وصحة قوية، وربما نظامًا أرشيفيًا لا تشوبه شائبة. وبعد هذه الرحلة الطويلة، كان من الممكن أن يخرجوا علينا بنتيجة تقول إنّ السعادة تكمن في اتباع نظام غذائي لا يعتمد إلا على التوت البري، أو في ممارسة اليوغا يوميًا وقوفًا على ساق واحدة. لكنهم لم يفعلوا.

للوهلة الأولى، لا تبدو هذه النتيجة اكتشافًا مذهلا. فربما كان أجدادنا سيوقّعون عليها من دون الحاجة إلى مختبرات أو أبحاث علمية. قد لا يكونون قد عرفوا روبرت والدينغر، المدير الحالي لهذه الدراسة، لكنهم كانوا يدركون أنّ جارًا كريمًا خير من خزنة مليئة بالأموال، وأنّ مائدة يجتمع حولها الضحك أغلى بكثير من غرفة جلوس ينشغل فيها الجميع بهواتفهم، كما لو كانوا نسّاخًا ينسخون المخطوطات.

وتذكّرنا الدراسة أيضًا بأن الوحدة سمّ هادئ. فهي لا تُحدث ضجيجًا، ولا تحطّم النوافذ، ولا تترك آثارًا درامية. إنها تتسلل بلطف، كضيف يعدنا بأنه لن يمكث سوى دقائق، ثم يستقر في بيوتنا حتى يصبح جزءًا منها. نظن، في البداية، أننا نستمتع بالهدوء، ثم نكتشف أنّ الصوت الوحيد الذي يتمنى لنا يومًا سعيدًا هو صوت جهاز الراديو.

كما توصّل الباحثون إلى أنّ جودة العلاقات أهم بكثير من عددها. وهذه حقيقة مطمئنة لكل من لا يرن هاتفه كل خمس دقائق. فمن الأفضل أن يكون لدينا صديقان يملكان الشجاعة ليخبرانا عندما نخطئ، من أن نحيط أنفسنا بمئة من الأصحاب الذين لا يكفّون عن الثناء علينا، ثم يختفون جميعًا عندما يحين وقت مساعدتنا في حمل خزانة ثقيلة إلى الطابق الرابع بلا مصعد.

وثمّة فكرة تبعث على الارتياح أيضًا، وهي أنّ الخلافات لا تعني نهاية العلاقات. ولحسن الحظ، فلو كان الأمر كذلك، لما استمر زواج بعد عامه الأول، ولانتهت كل الولائم العائلية في أروقة المحاكم. فالاختلافات جزء طبيعي من التعامل مع البشر. وعلى حدّ علمي، لا تتشاجر أبدًا سوى التماثيل والمظلات.

في نهاية المطاف، لم تكتشف "هارفارد" السعادة بقدر ما منحتها شهادة علمية. فمنذ زمن بعيد ونحن نطارد النجاح والثروة والمكانة الاجتماعية، وكأن السعادة تنتظرنا خلف باب فولاذي محكم الإغلاق. لكنّ الباحثين يذكّروننا بأنها كثيرًا ما تكون خلف باب منزل عادي، يقف عنده صديق يقرع الجرس.