روجيه نهرا

راشيا الفخار... تتمسّك بالأرض وتنتظر السلام

5 دقائق للقراءة

في أقصى الجنوب الشرقي، وعلى سفح جبل حرمون، تستقرّ راشيا الفخار، بلدة حدودية صغيرة في منطقة العرقوب ـ قضاء حاصبيا، تختبئ في كنف جبل الشيخ، عند المقلب الغربي الجنوبي لسلسلة جبال لبنان الشرقية.

ارتبط اسم راشيا الفخار بحرفة تعود إلى مئات السنين، وكانت في مرحلة من المراحل جزءاً أساسياً من اقتصاد البلدة وهويتها. ففي السابق، كان نحو 30 أو 40 شخصاً يعملون في صناعة الفخار، فيما لم يبقَ اليوم سوى ثلاثة أو أربعة أشخاص يحافظون على هذه الحرفة، بينهم صاحب معمل كبير عند مدخل البلدة.

وكان فخار راشيا الفخار يُنتج من مواد أولية مستخرجة من أرض البلدة، وقد ذاع صيته في مناطق واسعة، ووصلت منتجاته إلى مصر وفلسطين وحوران في سوريا، أما اليوم، فتبدو الحرفة مهددة بالاندثار.

لا تختزن الفخار وحده. فالبلدة مصنفة من وزارة السياحة ضمن المواقع السياحية في لبنان، وتضم مجموعة من المعالم التاريخية والدينية، ومن أبرزها كنيسة للروم الأرثوذكس تعود إلى القرن التاسع عشر، ويُتداول أنها بنيت بدعم من القيصر الروسي، إضافة إلى كنيسة التجلي للكاثوليك المرتبطة بالرهبان والراهبات الفرنسيين الذين قدموا إلى المنطقة في القرن التاسع عشر. والكنيسة المعمدانية للبروتستانت وكنيسة مار الياس في الخريبة، كما تختزن البلدة آثاراً تعود إلى عصور قديمة، بينها أدوات حجرية من الصوان المصقول تعود إلى العصر الحجري، فضلاً عن بقايا أدوات فخارية قديمة، وأشجار زيتون معمرة ارتبطت بذاكرة المكان وتاريخه.

تضم راشيا الفخار نحو 224 وحدة سكنية، كان منها نحو 132 منزلاً مفتوحاً ومأهولاً بشكل دائم قبل تدهور الأوضاع الأمنية. أما اليوم، فلا يتجاوز عدد المنازل المفتوحة فعلياً بين 80 و90 منزلاً، فيما بلغ العدد خلال أصعب أيام الأزمة نحو 73 إلى 74 منزلاً. ويتراوح عدد المقيمين نحو600 شخص صيفا، و350 شتاءً، فيما يتخطى عدد المغتريبين الألف شخص يتوزعون بين دول كندا، استراليا، البرازيل، بريطانيا، وفرنسا وهم يساهمون في دعم صمود أهالي البلدة.

وأما المدرسة، فأقفلت أبوابها منذ زمن وتحولت إلى مركز للبلدية وللدفاع المدني، وفي ظل التهديدات الأمنية تحاول البلدية توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة ومن المبادرات التي حرصت عليها تأمين مادة المازوت لإنارة الشوارع والمنازل ليلاً، ليس فقط لأسباب أمنية، بل أيضاً لمنح العائلات التي بقيت في البلدة شعوراً بالطمأنينة.

وتستقر البلدة على ارتفاع يتراوح بين نحو 700 وألف متر عن سطح البحر، وفي موقع جغرافي يتيح لها إطلالات واسعة على الجنوب والبقاع. شمالاً، تمتد سلسلة جبال لبنان الغربية، من تلال جزين والريحان والعشية وتومات نيحا والبقاع الغربي، وصولاً إلى تلال جبل الباروك. وغرباً، تبدو تلال جبل عامل وبلاد بشارة، وفي مقدمها هضاب الخيام ومرجعيون والقليعة وكفركلا، وصولاً إلى قلعة شقيف أرنون والبحر الأبيض المتوسط. أما جنوباً، فعندما تصفو السماء، يتخطى النظر الحدود ليبلغ في الأفق البعيد بحيرة طبريا وسهل الحولة وتلال الجليل الأعلى. 

خلال حربي الإسناد الأولى والثانية، نالت البلدة حصّة كبيرة من الخسائر، ولا سيما في القطاع الزراعي. مئات الدونمات من بساتينها، وفي مقدمها أشجار الزيتون، احترقت، فيما طالت الأضرار عدداً من المنازل والمؤسسات، واليوم، لا تزال راشيا الفخار تعيش على وقع واقع أمني شديد الحساسية، عطل دورة الحياة، وشلّ الحركة الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، يحاول الأهالي أن ينعموا بما تبقى من خيرات أرضهم.

رئيس بلدية راشيا الفخار بيار عطالله يصف الوضع في البلدة بأنه «صعب بكل ما للكلمة من معنى»، لكنه يؤكد أن غيرة الأهالي وحبهم للحياة يساعدان في تجاوز العقبات. ويقول إن الناس في البلدة يعيشون حالة "حلّ وترحال" دائم، قد يمكثون أياماً أو شهراً، ثم يعودون إلى النزوح مرة أخرى، لتصبح حياة الناس أشبه بحركة مستمرة بين المنزل ومكان النزوح.

ويقول: نحن باقون، ونريد أن نبقى، وسنواصل العمل لتعزيز صمود أهلنا وأمنهم الاجتماعي، مهما كانت الظروف.ويؤكد عطالله أن الأهالي تشبثوا بمشروع الدولة، وصمدوا مع الدولة وبوجود الجيش اللبناني، مشدداً على أن البلدة رفضت إلا أن تكون إلى جانب الدولة اللبنانية والحكومة اللبنانية والأهالي يريدون أن يبقى العلم اللبناني وحده مرفوعاً في سماء راشيا الفخار، في رسالة واضحة بأن حماية الحدود وصون الأرض وتأمين الناس يجب أن تكون من مسؤولية الدولة ومؤسساتها الشرعية.

ويطرح في المقابل رئيس البلدية سؤالاً أكبر: إلى متى ستبقى هذه المنطقة تدفع الثمن وحدها، فيما الدولة لا تزال تتعامل معها بالأسلوب التقليدي نفسه، وبإجراءات بطيئة لا تتناسب مع حجم التحديات التي تواجهها؟

قبل الحرب، حاولت البلدية تحويل المقومات الموجودة إلى مشروع سياحي متكامل. وتواصلت البلدية مع مكاتب سياحية وجمعيات متخصصة، وأطلقت ما سمته "درب التجلي"، وهو مسار سياحي يمتد على ثلاثة أيام، يبدأ من دير مار ماما في بلدة ديرميماس، مروراً ببرج الملوك، ثم راشيا الفخار لزيارة الكنائس والمواقع الأثرية، وصولاً إلى كوكبا وزيارة تمثال السيدة العذراء، ثم العودة إلى راشيا الفخار للتعرف إلى صناعة الفخار وتراث البلدة. الفكرة، كما يشرح عطالله، كانت جمع عدد من القرى والمواقع في مسار سياحي واحد، لأن المقومات السياحية لا تنحصر في راشيا الفخار، بل تمتد إلى المنطقة بأكملها. لكن السياحة، مثل الزراعة والاقتصاد، تحتاج أولاً إلى الاستقرار. إذا لم يتوفر السلام والأمان، ولا توجد دولة، لا يمكننا أن نحقق اي مشروع سياحي.