الدكتور سايد حرقص

لبنان بين جرأة القرار ولحظة الحقيقة

4 دقائق للقراءة

​يبدو أن الأسئلة التي حملها الموفدون اللبنانيون إلى العاصمة الإيطالية قد عادت معهم من دون إجابات. فلا اتفاق حاسم على انسحاب إسرائيلي كامل، ولا حسم لمسألة الانتقال إلى مناطق جديدة، ولا اختراق حقيقي في ملف السلاح، فيما يظل الجنوب جالساً على جمره تحت ضغط النار والغارات والتفجيرات.

​في المقابل، تتحدث واشنطن عن "محادثات مثمرة" نجحت تقنياً في بلورة مفاهيم لتنظيم التنسيق، لكنها عجزت عن إحداث الاختراق السياسي المنتظر؛ علماً أن لبنان لم يعد يملك ترف الوقت لمفاوضات ماراثونية لتقطيع الوقت، ولا الجنوب يستطيع البقاء معلقاً بين وقف إطلاق نار هش وواقع ميداني مرشح للانفجار.

​تكمن العقدة الاساسية في تناقض أجندات التفاوض؛ فلبنان الرسمي يبدو مشوشاً بين رغبته في استعادة أراضيه وبسط سلطته، وعجزه عن تقديم إجابات حاسمة حول سلاح "حزب الله". وعلى الضفة الأخرى، تبتز إسرائيل المسار بطلب ضمانات أمنية وربط الانسحاب بالسلاح، دون أن تقدم أي تعهد بوقف استراتيجيتها الممنهجة في تدمير القرى الجنوبية.

​في قلب هذا الانسداد، يبرز السؤال الوجودي الذي لم يعد بمقدور السلطة ولا حزب الله المماطلة فيه: ما هو مستقبل هذا السلاح؟ لم يعد هذا التساؤل شأناً محلياً، بل بات جوهر الحسابات التي تحدد مستقبل الحدود، وزوال الاحتلال، والترتيبات الأمنية، وصولاً إلى فتح منافذ الحل للأزمات الاقتصادية والمؤسسية. من هنا، فإن محاولة فصل السلاح عن مستقبل الجنوب ليست سوى "ذر للرماد في العيون" وقفز خطِر على حبال الأزمات المكهربة.

​المعادلة التي يحتاجها لبنان: لا احتلال يستمر، ولا سلاح خارج القرار الوطني تحت أي ذريعة؛ فهذا هو جوهر الدولة الطبيعية. إن إنهاء الاحتلال واستعادة قرار السلم والحرب وجهان لعملة واحدة. وإذا كانت السلطة في لبنان جادة في استعادة سيادته، فعليها إثبات قدرته على حماية حدوده منعاً لتحويلها مجدداً إلى منصة لاشتعال جديد.

​وهنا تكمن مسؤولية الدولة في التوقف عن سياسة الببيانات الإنشائية التي تعلن في الظاهر "حصر السلاح" بينما لا تقوم بأي عمل جدي لإثبات نيتها أو قدرتها التنفيذية. السؤال الحقيقي اليوم: هل تمتلك السلطة الرغبة والإرادة السياسية لتنفيذ حصر السلاح بها؟ وهل لدى الجيش خطة مرحلية واضحة لتحقيق ذلك؟

​على الجانب الآخر، لا يمكن مطالبة لبنان بإثبات سيادته فيما تواصل إسرائيل استباحة الأرض وتدمير القرى. فإذا كانت "المناطق التجريبية" محطة انتقالية تُفضِي إلى انتشار الجيش على كامل التراب الوطني، فهذا مسار يمكن البناء عليه. أما إذا تحولت إلى اختبار أمني مفتوح يُرجَأ معه الانسحاب لحين فرض شروط حصر السلاح، فسنكون أمام احتلال يتغير شكله دون أن ينتهي وجوده.

​لا يجوز أن تصبح "المرحلية" اسماً مستعاراً للتأجيل، ولا أن تُمسك إسرائيل بآليات التحقق لتمارس حقاً أحادياً في تقرير انسحابها. الوضع يتطلب جدولاً زمنياً صارماً، ومعايير قياس واضحة، وضمانات دولية ملزمة؛ فالمفاوضات الجدية تقاس بالنتائج الملموسة التي يلمسها المواطن في أرضه وأمنه، لا ببيانات التقدم الصورية.

​في هذا السياق، يأتي الموقف الأميركي الأخير كقرار تغييري لافت؛ ففي الوقت الذي تضغط فيه واشنطن على بيروت في ملف السلاح، لجمت تصعيد تل أبيب العسكري بعدما أبلغتها أن حادثة "مجدل زون" لم تشكل خرقاً من حزب الله. هذا المعطى يؤكد إدراك واشنطن أن ديمومة التفاوض تتطلب كبح إسرائيل أيضاً، وليس الضغط على لبنان وحده.

​لكن قبل كل شيء، على لبنان أن يصارح نفسه: فلا يمكن مطالبة العالم بتثبيت السيادة مع استمرار تعليق القرار العسكري، ولا المطالبة بالانسحاب بينما قرار الحرب والسلم مصادَرٌ خارج أطر الدولة، ولا انتظار الدعم الدولي للجيش مع الإبقاء على قوة مسلحة موازية. هذه الصيغة الهشة تدور في حلقات مفرغة وتُعيد إنتاج الأزمة ذاتها.

​لقد تبدلت معادلات المنطقة، ولم يعد لبنان قادرا على الاستمرار في العيش في "المنطقة الرمادية"، بين الدولة والدويلة، والهدنة والحرب، والسيادة والاحتلال. اقتناص اللحظة يتطلب شجاعة سياسية تحولها إلى نقطة تحول استراتيجي، لا مجرد جولة إضافية في كتاب المفاوضات الطويل.

​تقتضي هذه اللحظة مواقف استثنائية: فالدولة مطالبة بإعلان أن السلاح يخضع حكراً لسلطتها استعادةً لجوهر مفهوم الدولة الحديثة. وحزب الله مطالب بإدراك أن قوة السلاح لا تكون بديلاً عن الدولة، بل ينبغي أن تنضبط ضمن قرارها الوطني. وإسرائيل مطالبة بوعي أن الأمن لا يُبنى على الاحتلال والعدوان. أما الولايات المتحدة، فعليها التخلي عن فرض الشروط الأحادية لصالح التزامات متبادلة وآليات تنفيذ متوازنة تضمن الاستقرار للجميع.