تعددت الأدوار واللعبة واحدة منذ لبنان الكبير: صراع في حاضر صعب بين العاملين على هندسة "مستقبل غير عادي" وبين المصرين على أخذنا إلى "ماضٍ آخر". والبلد تجاوز في الواقع مسرحية بيرنديللو عن أدوار تبحث عن أبطال وشخصيات تبحث عن أدوار. فليس قليلا عدد البلدان التي لها أدوار في لبنان وتلك التي تبحث عن أدوار فيه، والتي يبحث اللبنانيون عن أدوار لها. وأهلا بكل من يمد يده لمساعدة الوطن الصغير، وإن كان عاجزًا عن مواجهة من يمد يده عليه. ولا شيئ يمنع الترحيب بمن لا وزن له في لعب دور، وسط زحام الذين تؤثر أوزانهم وأدوارهم على التوازن او الخلل في التوازن بين القوى المحلية.
وإذا قيل أن "البلدان التي تحتاج إلى أبطال ليست محظوظة" حسب المسرحي الألماني الكبير برتولد بريشت، فإن اليأس وحده يجعل الناس تتصور أن البلد الذي يحتاج الى أدوار خارجية محظوظ. وأي حظ هذا حين يكون لبنان واقعًا تحت كثير من الأحمال الداخلية الثقيلة ومن الأوزان الخارجية الكبيرة في أدوار أميركا وإيران وإسرائيل؟ وأي لعنة عندما يكون ربط لبنان شديدًا بكل أزمات الشرق الأوسط وصراعاته، وربطه بالتسويات المفترضة في المنطقة مجرد وعود معلقة بحبال الهواء؟
ذلك أن الأزمات الإقليمية والدولية "توطنت" في لبنان وصارت الخبز اليومي فيه، وبعضها عابر له إلى بلدان أخرى. أما التسويات التي حصلت منذ كامب ديفيد حتى "الاتفاقات الإبراهيمية"، فإنها ساهمت في تعميق أزماته ومأزقه البنيوي. وأما التسويات المفترض حدوثها في هندسة الشرق الأوسط الجديد بعد حروب غزة ولبنان وإيران والتحولات المتسارعة التي قادت الى إنهيار نظام الأسد في سوريا، فإنها تدور بين طبعتين متناقضتين للشرق الأوسط الجديد، طبعة أميركية وطبعة إيرانية، وتدار في منطقة رمال متحركة فوق مشكلة مستعصية على الحل في لبنان المحكوم بسلاح واحتلال وخلل في التوازن وضعف في الوزن.
وليس جديدًا أن يحتاج الوطن الصغير إلى كل هذه الأدوار التي تكشف هشاشة دولته من جهة، وقوة نظامه من جهة أخرى. أدوار لوساطات من أجل تسوية أزمات محلية لها امتدادات خارجية. أدوار لإخراج ثلاث قوى إقليمية مهيمنة. وأدوار للتوازن بين أدوار إيران وتركيا وإسرائيل. ففي السبعينات كانت الكويت تلعب دور الوسيط بين القوى اللبنانية في حرب محلية وإقليمية ودولية. وفي أواخر الثمانينات تمكن الملك فهد والملك الحسن الثاني والرئيس الشاذلي من جديد بقرار عربي جماعي من إيصال النواب اللبنانيين إلى "اتفاق الطائف" الذي أعاد الحياة الدستورية الى البلاد. وفي العام 2008 تطوعت قطر لدور الوسيط في "مؤتمر الدوحة" الذي أنهى الفراغ في السلطة. وفي كل المراحل كانت أميركا وفرنسا ومصر والسعودية وسوريا وإيران في مقدم أصحاب الأدوار في لبنان.
بعض الأدوار كان إیجابيًا لجهة الحد من تصعيد الصراعات وترتيب تسويات موقتة. وبعضها الآخر كان سلبيًا لجهة التصرف على أساس أن اللا أمن وزعزعة الاستقرار وأحيانًا وضع الغطاء على المرجل الذي يغلي هي من عوامل الأمن في سوريا أيام الأسد وإسرائيل وإيران، ومن عوامل المساعدة في الالتفات إلى مشاغل أكبر لأميركا أيام کیسینجر وما بعده. واليوم تتقدم تركيا نحو دور انطلاقًا من اعتبار أمنها القومي يبدأ من بيروت ودمشق، وتنضم إلى أدوار سعودية وأميركية وسورية في الإدارة الجديدة تصر، لا فقط على ربط الأمن في لبنان بالأمن العربي والدولي بل أيضًا على إخراج إسرائيل وإيران من البلد، وفتح الفرصة الواسعة أمامه للخروج نهائيًا من الحرب وبدء تدفق المساعدات والاستثمارات للنهوض الاقتصادي. و"كل الأنهار تذهب إلى البحر لكن البحر لا يمتلئ أبدًا" كما قال إيلي وايزل الحائز جائزة نوبل للآداب. وتلك مشكلة لبنان الباحث عن دوره.