يُعدّ عيد انتقال السيدة العذراء من الأعياد الكبرى في الكنيسة الكاثوليكية، وهو لا يقتصر على الاحتفال بالسيدة العذراء فحسب، بل يحيي عقيدة إيمانية تؤكد انتقال مريم العذراء إلى السماء بالنفس والجسد.
ويرى الأب شربل جعجع أن الأهمية الاجتماعية التي اكتسبها العيد ترتبط أساسًا بمكانته الكنسية، إذ إن كل عيد كنسي يجد له، مع مرور الوقت، ترجمة اجتماعية وشعبية تختلف باختلاف المناسبة وخصوصية كل منطقة. ويشير إلى أنه كما هي الحال مع مختلف الأعياد الكبرى، كذلك هي الحال مع عيد انتقال السيدة العذراء.
ففي عيد الميلاد، على سبيل المثال، ترتبط المناسبة بعادات مثل وضع المغارة وتحضير الحلويات، فيما يحمل عيد الفصح تقاليد شعبية خاصة، كالتلوين بالبيض وتحضير القمح على عيد البربارة وغيرها من المظاهر التي ترافق الاحتفال. وهكذا، يلتقي البعد الإيماني بالبعد الاجتماعي، فتتحول الأعياد الكنسية إلى مناسبات يعيشها المجتمع من خلال عاداته وتقاليده واحتفالاته الشعبية.
أما في ما يخص عادات الاحتفال بعيد انتقال السيدة العذراء فتختلف من بلدة إلى أخرى، إذ لكلّ قرية طقوسها وتقاليدها الخاصة التي تتوارثها العائلات. ففي بعض القرى تُحضّر الهريسة، وفي أخرى يُصنع المعمول، فيما لا تزال قرى تحافظ على عادة سلق القمح، أو إعداد النبيذ، ولا سيما في البلدات التي يرتبط فيها العيد بتكريم السيدة العذراء كـ"سيدة الكرمة".
ولا تقتصر مظاهر الاحتفال على العادات "الغذائية"، إذ تستغلّ العديد من البلدات حلول العيد في فصل الصيف لإقامة المهرجانات والاحتفالات، فتستضيف الفنانين وتنظم العشاءات واللقاءات القروية التي تجمع أبناء البلدة، تعبيرًا عن الفرح والابتهاج بالمناسبة.
وهكذا، يتحول عيد السيدة من مناسبة دينية إلى مساحة يلتقي فيها الإيمان بالعادات والتقاليد، وتستعيد القرى من خلالها طقوسًا متوارثة وتحتفي بأبنائها في أجواء اجتماعية تعكس خصوصية كل بلدة.
ولا يقتصر حضور السيدة العذراء في القرى اللبنانية على اسم واحد، بل تتعدد ألقابها وتختلف من منطقة إلى أخرى، في انعكاس لعلاقة أبناء كل بلدة بها، واعتبارها أمًّا لهم وحامية لبلدتهم.
ويوضح الأب جعجع أن هذا الارتباط يفسّر تسمية الكنائس والمزارات بأسماء مختلفة، مثل سيدة بشوات، وسيدة حريصا، وسيدة مزيارة، وسيدة مغدوشة، في تعبير عن تعلّق أبناء كل منطقة بالعذراء مريم، وكأنها "سيدة" البلدة و"أم" أهلها.
ولا تقتصر الألقاب على أسماء البلدات، بل تشمل أيضًا صفات مرتبطة بالحياة اليومية وبالمواسم والزراعة، مثل سيدة الحصاد، وسيدة الزروع، وسيدة الكرمة. فالمؤمنون، بحسب الأب جعجع، يضعون بين يدي مريم كل ما يعجزون عن القيام به، ويطلبون منها أن تكون شفيعة لهم في تفاصيل حياتهم.
كما تحمل العذراء ألقابًا كثيرة مستمدة من الكتاب المقدس والتقليد الكنسي، مثل "نجمة الصبح"، و"باب السماء"، و"سلطانة الأنبياء"، وهي تعابير ارتبطت بها الكنيسة وكرّستها في تقليدها وفي الصلوات المريمية.
ويختصر الأب جعجع هذه الأسماء والألقاب بأنها تعبير عن علاقة عاطفية واجتماعية عميقة بين الناس ومريم، إذ إن الإنسان حين يرى فيها أمه، يميل إلى مخاطبتها بأسماء وصفات متعددة تعبّر عن قربها منه وعن حاجته إليها. لذلك، لا تبدو كثرة ألقاب العذراء مجرد تنوع في التسميات، بل لغة حب وارتباط، يضع من خلالها الناس أمام أمهم مريم كل ما يحملونه من رجاء وحاجات، وكل ما يتمنون أن تناله لهم بشفاعتها.
وبين اختلاف العادات من قرية إلى أخرى، وتعدد الأسماء والطقوس والاحتفالات، يبقى عيد انتقال السيدة العذراء مناسبة تتقاطع فيها الذاكرة الدينية مع الحياة الاجتماعية.
وبعد سنوات خفتت فيها رهجة العيد وبريق بعض تقاليده، كما تراجعت مظاهر البعد الديني في كثير من المناسبات، تبدو اليوم ملامح عودة هادئة إلى تلك العادات وإلى طقوس الإيمان المرتبطة بها. وكأن القرى تستعيد شيئًا من ذاكرتها القديمة، وتعيد إحياء تقاليدها بوصفها جزءًا من هويتها وذاكرتها الجماعية، بالتوازي مع عودة متجددة إلى الإيمان، لا كطقس عابر، بل كحاجة إلى الجذور والمعنى والانتماء.