نبيل يوسف

مخيم تل الزعتر: الحكاية قبل وحتى سقوطه

9 دقائق للقراءة

في 12 آب 2026 يكون مر 50 عاماً على سقوط مخيم تل الزعتر الفلسطيني، الذي كان تحول الى معسكر من أكبر المعسكرات الفلسطينية في لبنان وأجلي سكانه الى بلدة الدامور على ساحل الشوف التي كان تهجر أهلها مطلع العام 1976.

ما قصة هذا المخيم؟

لا يوجد في سجلات الأونروا اسم مخيم تل الزعتر ضمن مخيمات الفلسطينيين الخمسة عشر في لبنان، بل هو يحمل اسم مخيم الدكوانة، واسم تل الزعتر ورد في السجلات اللبنانية، وأما مخيم جسر الباشا المجاور فموجود في سجلات الأونروا.

كان سكان مخيم تل الزعتر من المسلمين السنة وسكان مخيم جسر الباشا من المسيحيين وأقام فيه جورج حبش زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ووديع حداد القيادي الفلسطيني المعروف.

عام 1949 باشرت رابطة جمعيات الصليب الأحمر تركيز الخيم في جسر الباشا وقطعة أرض ملاصقة للدكوانة استخدمت خلال الحرب العالمية الثانية كمعسكر للجيش البريطاني خالية من السكان ينتشر فيها الزعتر البري ومن هنا جاءت التسمية.

عام 1952 بدأت الأونروا استبدال الخيم بمجموعات من الغرف الصغيرة المسقوفة بألواح الاترنيت من دون مراحيض خاصة، كان عددها بداية 14 قطعة راحت تتزايد سنة بعد أخرى وبسرعة.

أنشأت الأونروا في كل مخيم مدرسة ومطعماً يوزع الطعام، ومركزاً لتوزيع المواد التموينية (الاعاشة)، ومطلع السبعينيات انتقلت ادارة الأونروا الى سن الفيل.

بالتدريج راح يزداد عدد المدارس ووصل في تل الزعتر الى 5 مدارس و 2 في جسر الباشا غطت مرحلتي التعليم الابتدائي والتكميلي، وكان على من يرغب بمتابعة تعليمه الالتحاق بثانويات تقع خارج المخيمين، وكانت العيادة الطبية الوحيدة للفلسطينيين قرب مستديرة المكلس، واعتباراً من سنة 1969 أنشأ الهلال الأحمر الفلسطيني عيادة داخل كل مخيم أصبحت عيادة تل الزعتر ولاحقاً مستشفىً.

كان رجال المخيمين يعملون بالمئات في المصانع المجاورة مع العمال اللبنانيين والسوريين، الى أن بدأ التحول مع وصول منظمة التحرير الفلسطينية الى المخيمين في النصف الثاني من ستينيات القرن المنصرم، ومن يومها بدأت الاستفزازات والمناوشات والتحرشات وراح التوتر يزداد بين سكان المخيمين وجيرانه من أبناء البلدات الملاصقة لهما.

لم يكد يمر أيام على توقيع اتفاق القاهرة عام 1969 حتى تم إنزال العلم اللبناني عن مخفر الدرك عند مدخل تل الزعتر ورفع مكانه علم فلسطين.

توقيف الشيخ بشير الجميل

نهار 25 آذار 1970 وفيما تشهد بلدة الكحالة توتراً شديداً بين الأهالي وموكب كبير من السيارات التي تقل مقاتلين فلسطينيين في طريقهم الى دمشق لدفن ضابط كومندوس فلسطيني، الذين راحوا يطلقون الرصاص من السيارات واصابوا عدداً من المنازل، كان حاجز فلسطيني يوقف الشيخ بشير الجميل مع 2 من رفاقه وينقلهم الى داخل مخيم تل الزعتر.

صدم الفلسطينيون عندما أدركوا من أوقفوا؟ وخافوا من تداعيات عملهم وبعد ساعات نقل الشيخ بشير الجميل ورفيقاه الى الحمرا حيث أطلق سراحهم من مركز لحركة فتح.

ازداد الغليان الى أن كان أيار 1973 حين اندلعت المعارك بين الجيش اللبناني والمنظمات الفلسطينية، وعندما حاولت المنظمات الفلسطينية الخروج من المخيمين تصدى لهم شباب البلدات المجاورة.

توقفت المعارك وبدا واضحاً أن الجيش لن يتمكن من الحسم، وبهدف معالجة ذيول الأحداث انعقد في 31 أيار أول اجتماع في منزل نائب رئيس حزب الكتائب جوزف شادر للجنة المتابعة التي تشكلت خلال زيارة ياسر عرفات الى الشيخ بيار الجميل منتصف شهر نيسان لشكره على المشاركة في جناز القادة الفلسطينيين.

شارك في الاجتماع عن الكتائب جوزف شادر والنائب جورج سعاده والشيخ أمين الجميل وعضو المكتب السياسي كريم بقرادوني الذي رافق الوفد الفلسطيني من مقر منظمة التحرير وعن الجانب الفلسطيني صلاح خلف (أبو أياد) وياسر بعد ربه وصلاح صلاح وتوفيق الصفدي.

خلال المناقشات طالب وفد الكتائب بتنفيذ كل الاتفاقات المعقودة ووقف سيل الأسلحة المهربة الى داخل الأراضي اللبنانية، فيما طالب الوفد الفلسطيني بمساعدة الكتائب لاعادة الثقة بين الحكم والمقاومة الفلسطينية، وأما النقطة الثانية فكانت السعي الى تبديد جو التوتر القائم على الصعيد الشعبي، وطلبت المقاومة الفلسطينية من الكتائب أن تعمل في بيئتها الشعبية على اعادة الثقة، وتم الاتفاق على القيام بحملة اعلامية مشتركة لاعادة الأجواء الطبيعية وأرجئ وضع تفاصيل هذه الحملة الى الاجتماع اللاحق.

عقد الاجتماع الثاني في 4 حزيران في منزل الشيخ أمين الجميل، بمشاركة جميع المشاركين في الاجتماع الأول، وخلاله أثار الجانب الكتائبي مسألة تجول العناصر الفدائية بأسلحتها خارج المخيمات خاصة في محلتي الدكوانة وسن الفيل وصولاً الى الدورة، فتم استدعاء المسؤولين المحليين من الفريقين الى الاجتماع واتفق على ضبط الوضع وعدم تكرار الاحتكاكات التي تحصل، ووعد الجانب الفلسطيني بعدم خروج أي مسلّح من تل الزعتر أو مخيم جسر الباشا.

كما تقرر تشكيل عدة لجان للعمل المشترك ولحل المشاكل الطارئة ولجنة لصياغة وثيقة عمل مشتركة على ضوء الحوار الذي جرى خلال الاجتماعين، على أن تعرض الوثيقة في الاجتماع المقبل الذي تقرر عقده في 8 حزيران في منزل أحد أصدقاء المقاومة في بيروت الغربية.

رغم الأجواء الايجابية حدس وفد الكتائب أن الاجتماع الثالث سيكون الأخير، فقد اتضح أن بعض حلفاء المقاومة لم يرق لهم هذا الحوار الذي قد يوصل الى تهدئة نهائية للوضع فسعوا لافشاله وهكذا حصل.

استمر التوتر، وما كاد النصف الثاني من العام 1974 يطل، حتى راحت تجاوزات الفلسطينيين تتكاثر، ضاربين عرض الحائط بجميع الاتفاقات التي وقعت، وكانت معظم تلك التجاوزات من عمل الفصائل الفلسطينية الراديكالية مثل الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية والقيادة العامة وجبهة التحرير العربية وجبهة النضال والصاعقة، المدعومين من سوريا والعراق وليبيا.

هذه التجاوزات غير المقبولة، أدت في بداية شهر آب 1974 الى وقوع صدامات مسلحة مع شباب الأحياء المجاورة لمخيم تل الزعتر وصولاً الى جسر الباشا والدكوانة وسن الفيل وحرش تابت أسفرت عن وقوع عدة ضحايا واستعملت فيها لأول مرة أسلحة متوسطة وقذائف، واستمرت المواجهات 3 أيام متتالية لكنها اقتصرت على جوار تل الزعتر، ما يدل أن سببها هو الخروج الفلسطيني من المخيم والتعدي على الناس والعابرين.

في اعتراض على ما يجري أعلن حزب الكتائب أنه يعلق استمراره في الحكومة والنيابة على نتائج إثارة الوضع في مجلس الوزراء، وأعلن حزب الوطنيين الأحرار تضامنه مع الكتائب، وأكد الشيخ بيار الجميل أن ما يحصل في الدكوانة وجوارها يجب أن يعالج في العمق ومن مصلحة المقاومة وجود سلطة واحدة وحكومة واحدة وجيش واحد، وأن لا يبقى في لبنان مناطق خارجة على سلطة القانون وسلطة الدولة.

ما جرى خلال شهر آب أدى الى نوع جديد من الترتيبات الأمنية عرفها لبنان لأول مرة، وهو تشكيل لجان مشتركة لبنانية – فلسطينية – كتائبية لحفظ الأمن ومنع تجدد الاصطدامات، وتوزعت اللجان على 9 نقاط تضم كل نقطة عنصرين من الدرك اللبناني وعنصرين من الكفاح المسلّح الفلسطينين وعنصرين من القوى النظامية الكتائبية.

رغم انتقاد هذا التدبير من قبل بعض السياسيين، كان تدبيراً لا بد منه للمحافظة على الهدوء. بحيث أنه بعد أيام قليلة توقف عمل اللجان وأوقفت مراقبتها للنقاط التي كلفت البقاء فيها للحؤول دون تجدد اطلاق النار والاحتكاك بين الطرفين، واستمرت فقط دوريات الدرك تجوب الشوارع التي كانت مسرحاً للاشتباكات.

على انتهاء عمل اللجان المشتركة علق الشيخ بيار الجميل بالقول إن حوادث الدكوانة لها أبعاد مهمة والهدوء القائم مؤقت ومهمة اللجان المشتركة انتهت بنجاح على رغم الانتقادات التي وجهت الينا في هذه المرحلة التي عشناها عن قرب وليس بالنظارات كما فعل غيرنا، كما حذّر الدولة من الانفجار اذا لم ينته الوضع الشاذ حيث نخشى ما هو أفظع، ولولا اللجان المشتركة لكنا واجهنا أيار آخراً، وما حدث في الدكوانة سيتكرر إذا لم تحل المشكلة جذرياً، ورد أيضاً وزير الداخلية بهيج تقي الدين على الاعتراضات على عمل هذه اللجان قائلاً إن الاجتماعات المشتركة أظهرت وجود عناصر غريبة عن الفريقين تطلق الرصاص ومهمة اللجان اشاعة الطمأنينة وتحديد هوية كل من يطلق النار. كما أعلن مدير عام قوى الأمن الداخلي هشام الشعار أنه بعد انتهاء الاشتباكات وعودة الهدوء إلى المنطقة، تم الطلب الى قائد الدرك في جبل لبنان وقف الدوريات المشتركة والاقتصار فقط على دوريات الدرك خصوصاً أن وجود عناصر الكتائب والمقاومة كان للتعرف على المشبوهين الذين استغلوا الوضع وراحوا يطلقون النار لزرع الفوضى والانقسام، والحالة الآن ما عادت تستوجب بقاء عناصر المقاومة والكتائب وسيتولى الدرك حفظ الأمن.

في هذا الوقت راح السلاح يتدفق من الدول العربية بغذارة على المخيمات الفلسطينية، ومعظمه كان يسلك طريق البوابة السورية التي منها كان المقاتلون يتدفقون على لبنان، ومنها كانت تدخل الامدادت على أنواعها.

فجر الخميس 19 أيلول 1974 تدهورت شاحنة سورية على كوع الكحالة كانت قادمة من البقاع باتجاه بيروت، وتبين تحت أكياس البصل وجود مدفع هاون عيار 81 مع ذخائره، وكمية كبيرة من الأسلحة الخفيفة، صادر الجيش الأسلحة بعد استدعائه من قبل الأهالي، فيما تمكن السائق من الفرار الى تل الزعتر.

وازداد الدعم السياسي للمنظمات الفلسطينية وارتفعت نغمة التهجم على الكتائب تحت ذريعة التسلح، ما اضطر صحيفة العمل للرد مدافعة على وجود السلاح بأيدي الكتائب الذي هو ظاهرة جديدة مردها الى الخوف من تهديدات كثيرة، وبنوع خاص، من عجز الدولة وغيابها بعد أن تكاثرت الأعمال الارهابية في البلاد. وقد لمّحت الصحيفة الى أن هذا الارهاب المتنقل يمكن أن يؤدي إلى ظهور ارهاب مماثل يكون مضاداً له، وأما الشيخ بيار الجميل فعند سؤاله عن وصول كميات من الاسلحة الى الكتائب كان موقفه واضحاً فقد نفى أي علم بالأسلحة من دون أن يستغرب اطلاق الرصاص في بلد أصبح كله مسلحاً. ولئن أكد على مبدأ أن يكون السلاح في يد الشرعية وحدها، أضاف أنه يقول "برافو للذي يدخل سلاحاً الى لبنان بعد أن تكاثر السلاح الآتي من الخارج في يد طرف واحد".

وسط هذا الغليان وصل الجميع الى 13 نيسان 1975 عندما خرج الفلسطينيون عصر ذلك الاحد من تل الزعتر لاقتحام عين الرمانة.