الدكتور أنور صيّاح

سلسلة "نحو الإنسانية" (21)

أن ترى.... الجمال... هل الجمال فيما نراه، أم في قدرتنا على أن نرى؟

16 دقيقة للقراءة

 المقدمة

ربما كانت كلمة "الجمال" من الكلمات القليلة التي لا تمنح معناها حقّه؛ كلمة صغيرة نحاول بها أن نسمّي شيئًا أكبر من اللغة. فالجمال ليس وجهًا جميلًا، ولا لوحةً متقنة، ولا منظرًا يأسر العين فقط؛ إنه شيء أوسع من أن يُحاصر في صورة، وأعمق من أن تختصره الملامح.

نراه في زرقة البحر، وفي شجرةٍ تقاوم الريح، وفي طائرٍ يشق السماء، وفي حيوانٍ يحتضن صغيره، وفي وجهٍ حملت تجاعيده عمرًا كاملًا، وفي يدٍ تمتد إلى يدٍ أخرى حين يتراجع الجميع. نسمعه في الموسيقى، ونشعر به في الصمت، ونلمسه في المحبة، ونكتشفه أحيانًا في أشياء مررنا أمامها ألف مرة من دون أن نراها.

فالجمال موجود أكثر مما ننتبه إليه، ولعل المشكلة ليست أن العالم أصبح أقل جمالًا، بل أننا أصبحنا أقل قدرةً على رؤيته؛ نكبر، فتأخذنا السرعة، والعادة، والمنفعة، والمقارنة، ونبدأ بالنظر إلى الأشياء بحثًا عما تقدمه لنا، لا عما تكشفه أمامنا؛ شيئًا فشيئًا، نفقد الدهشة التي كانت تجعل الطفل يقف أمام فراشةٍ كأنه يشاهد العالم للمرة الأولى.

في المقال السابق، كان السؤال عن المعنى الذي يبنيه الإنسان لحياته؛ أما هنا، فربما علينا أن نضيف شيئًا إلى ذلك السؤال: أي معنى نريد أن نبني إذا لم يكن مفعمًا بالجمال؟ فالمعنى يمنح الحياة اتجاهًا، لكن الجمال يمنح ذلك الاتجاه روحًا؛ وربما لا تكتمل الإنسانية بأن نعرف الخير فقط، بل بأن نحافظ أيضًا على قدرتنا على رؤية الجمال في كل شيء.

ليس المقصود أن ننكر القبح، أو أن نغمض أعيننا عن الألم والظلم والقسوة؛ بل أن نرفض أن يكون القبح فيما نراه، وأن نحافظ، حتى في أكثر اللحظات عتمةً، على عينٍ ما زالت قادرةً على البحث عن بقعة ضوء.

فإذا كان الله الخالق جمالًا، وإذا كانت الخليقة تحمل أثر خالقها، فربما لم يكن السؤال الحقيقي: أين يوجد الجمال؟ بل: هل ما زلنا نعرف كيف نراه؟

كأنها المرة الأولى

يولد الإنسان وفي عينيه شيءٌ من الدهشة؛ لا يحتاج الطفل إلى أن يشرح له أحد لماذا تستحق فراشةٌ أن يتبعها بعينيه، أو لماذا يتوقف أمام المطر، أو يمدّ يده نحو زهرة، أو يراقب حيوانًا صغيرًا وكأنه يراه للمرة الأولى؛ بالنسبة إليه، لا يزال العالم جديدًا، ولذلك لا تزال الأشياء قادرةً على إدهاشه.

ثم يكبر؛

ولا يختفي الجمال من حوله، بل تتغير رؤيته، فتصبح الشجرة جزءًا من الطريق، والسماء خلفيةً لا يرفع رأسه إليها، وصوت العصافير ضجيجًا مألوفًا، والوجوه التي يحبها حضورًا مضمونًا يؤجل النظر إليه؛ ما كان يومًا يستوقفه، يبدأ بالمرور أمامه من دون أن يراه.

إنّ الاعتياد، على ضرورته، قد يكون أحد أكثر الأشياء قدرةً على إخفاء الجمال، نحن لا نفقد الأشياء دائمًا عندما ترحل؛ أحيانًا نفقدها وهي ما تزال أمامنا، فقط لأننا اعتدنا وجودها.

وربما لهذا، لا تكون القدرة على رؤية الجمال موهبةً يولد بها بعض الناس ويحرم منها آخرون، بل حاسةً "إنسانية" يمكن أن تضعف، ويمكن أيضًا أن تُصقل. فكما نتعلم أن نقرأ الكلمات، يمكننا أن نتعلم قراءة التفاصيل؛ أن نتوقف، وأن نتأمل، وأن نمنح الأشياء وقتًا كافيًا لكي تكشف لنا ما لم نره فيها من قبل.

ولا يعني ذلك أن نصنع جمالًا وهميًا في كل ما حولنا، بل أن نحرر أعيننا من الأحكام التي تسبق النظر، فنحن كثيرًا ما نقرر أن الشيء عادي قبل أن نتأمله، وأن الوجه غير جميل قبل أن نقرأ ما عاشه، وأن المكان لا يستحق التوقف قبل أن نصغي إلى حكايته.

وهنا يبدأ صقل النظرة: ألا نسأل دائمًا ما الذي ينقص هذا الشيء ليصبح جميلًا؟ بل أن نسأل أحيانًا: ما الجمال الذي لم أتعلم بعد كيف أراه فيه؟ فالإنسان الذي يفقد قدرته على الدهشة لا يفقد الجمال من العالم، بل يفقد طريقه إليه.

وربما يكون أول الطريق نحو الجمال بسيطًا جدًا: أن ننظر مرةً أخرى، كأننا نرى للمرة الأولى.

كما خُلِق

ليس في الطبيعة نسخةٌ مطابقة لأخرى؛ لا ورقتان تتشابهان تمامًا، ولا غيمتان تعبران السماء بالشكل نفسه، ولا موجتان تصلان إلى الشاطئ بالطريقة ذاتها، حتى الجبل الذي نظنه ثابتًا، يتغير وجهه مع الضوء، والفصول، والثلج، والضباب؛ وكأن الخلق لم يعرف التكرار، بل اختار التنوع لغةً للجمال.

نراه في زهرةٍ لا تعرف أنها جميلة، وفي شجرةٍ لا تقارن نفسها بالشجرة المجاورة، وفي بحرٍ لا يحتاج إلى من يصفق له عند الغروب؛ نراه في الحيوان أيضًا، في قوة حصان، وخفة طائر، ووفاء كلب، ورهافة غزال، وفي ذلك التنوع المدهش في الأشكال والألوان والأصوات والطباع، لكل مخلوق جماله الذي لا يحتاج إلى أن يشبه جمال غيره لكي يستحق أن يُرى.

ربما نحن البشر ابتكرنا للجمال قالبًا، ثم بدأنا نحاكم الخليقة على أساسه؛ صنّفنا، وقارنّا، ورتّبنا؛ هذا أجمل من ذاك، وهذا يستحق النظر أكثر من غيره؛ لكن الطبيعة لا تعرف مسابقات الجمال؛ فالوردة لا تنتقص من جمال الصخرة، والفراشة لا تجعل النملة أقل قيمة، والأسد لا يلغي جمال العصفور، لكلٍّ مكانه، وتكوينه، وحضوره في لوحةٍ لا تكتمل إذا أزلنا منها ما لم يعجبنا.

حين نصل إلى الإنسان، يصبح الأمر أكثر عمقًا، فليس اختلاف الوجوه، والألوان، والأجساد، والأعمار، والقدرات، والطباع، نقصًا يحتاج إلى التصحيح؛ إنه جزء من ذلك التنوع الذي جعل الخلق غنيًا منذ البداية، ولو كان الجمال في التشابه، لكانت النسخة أجمل من الأصل، ولكان العالم أجمل كلما ازداد تكرارًا.

لكن الجمال لا يسكن التكرار، إنه يكشف نفسه في التفرّد؛ وهنا يصبح تعلّم الجمال جزءًا من تعلّم الإنسانية؛ لأن العين التي تتعلّم أن ترى الجمال في الاختلاف، تصبح أقل استعدادًا لتحويل المختلف إلى ناقص، والغريب إلى أدنى، وما لا يشبهها إلى قبيح.

وإذا كان الله هو الخالق، وكانت الخليقة تحمل أثر خالقها، فربما لا يكون دور الإنسان أن يقرر أيّ المخلوقات يستحق أن يكون جميلًا، بل أن يرتقي بنظرته حتى يستطيع أن يرى الجمال، كل الجمال، الذي وُضع فيها. فما يصدر عن الجمال، لا يمكن أن يكون بلا جمال؛ قد يكون فقط جمالًا لم نتعلم بعد كيف نراه.

أبعد من العين

إنّ أجمل ما في الإنسان ربما لا تستطيع العين أن تراه؛ فقد يلفتنا وجهٌ للحظة، لكن موقفًا واحدًا قد يبقى فينا عمرًا؛ يدٌ تمتد إلى إنسانٍ سقط، شخصٌ يتنازل عن حقه في الانتقام وهو قادر عليه، أمٌّ تسهر ولا يراها أحد، أبٌ يتعب بصمت لكي يجعل الطريق أقل قسوةً على أبنائه، غريبٌ يتوقف ليساعد غريبًا، وإنسانٌ يختار أن يبقى وفيًا حين يصبح التخلي أسهل.

هنا، لا يعود الجمال شيئًا نتأمله، بل شيئًا نفعله.

فالرحمة جمال، والصدق جمال، والعدل جمال، والوفاء جمال، والتواضع جمال، والشجاعة حين تحمي ولا تستعرض جمال؛ وكل قيمةٍ كتبنا عنها في رحلتنا "نحو الإنسانية"، ربما لم تكن إلا محاولةً أخرى لاستعادة عينٍ تعرف كيف ترى الجمال في الإنسان.

لا يكفي أن نعلّم الإنسان كيف يميّز الخير من الشر؛ فهناك أفعال صغيرة لا يسجلها تاريخ، لكنها تضيف إلى العالم جمالًا فوق جمال؛ والأجمل أن هذا النوع من الجمال لا يحتاج إلى جمهور، فالزهرة لا تتوقف عن التفتح لأن أحدًا لم يرها، والإنسان الجميل لا يحتاج دائمًا إلى من يشهد على جمال فعله، يكفي أن يكون أكثر رحمةً حين يستطيع أن يقسو، وأكثر صدقًا حين يستطيع أن يكذب، وأكثر وفاءً حين يصبح الرحيل أسهل.

هنا تلتقي الإنسانية بالجمال؛ فالإنسانية ليست مجموعة مبادئ نحفظها، بل الطريقة الجميلة التي نختار بها أن نكون بشرًا. ولعل هذا ما يجعل الجمال مسؤوليةً أيضًا؛ لأن الإنسان، بخلاف الزهرة والبحر والطائر، لا يحمل فقط جمالًا وُهب له، بل يمتلك القدرة على أن يضيف جمالًا إلى الخليقة أو ينتقص منه.

فكل إنسان يمر في هذا العالم يترك فيه شيئًا من نظرته، وكلامه، وأفعاله؛ بعضنا يجعل المكان الذي مرّ به أقسى، وبعضنا يتركه أجمل، وربما تكون الإنسانية، في أبسط معانيها، أن يترك الإنسان العالم أجمل قليلًا مما وجده.

كلمة لا تكفي

منذ أن بدأ الإنسان يتأمل نفسه والعالم، حيّره الجمال؛ رآه، وشعر به، وتأثر أمامه، لكنه كلما حاول أن يضعه في تعريفٍ بدا التعريف أصغر منه. وكأن الفلسفة، مثل اللغة، كانت تحاول أن تمسك بشيءٍ يستطيع الإنسان أن يشعر به قبل أن يستطيع تفسيره.

رأى أفلاطون (Plato) في الجمال طريقًا يبدأ مما تراه العين، لكنه لا ينتهي عنده؛ فالجمال المحسوس يستطيع أن يقود الإنسان إلى ما هو أسمى منه، حتى يصبح بحثه عن الجميل ارتقاءً من الشكل إلى الروح، ومن الجزئي إلى جمالٍ لا تحدّه صورة واحدة، وكأن الجميل الذي نراه ليس نهاية الطريق، بل نافذةً نطل منها على شيءٍ أكبر.

وبعد قرون، جاء إيمانويل كانط (Immanuel Kant) ليمنح الجمال معنى مختلفًا؛ فنحن نستطيع أن نقف أمام شيء جميل ونستمتع به من دون أن نرغب في امتلاكه أو استخدامه، وهنا تكمن فرادة التجربة الجمالية: للحظة، يتوقف الإنسان عن السؤال "ماذا سأستفيد؟" ويكتفي بأن يرى.

وربما في عالمٍ تعلّم أن يقيس كل شيء بمنفعته، يصبح أن ترى شيئًا جميلًا من دون أن تريد امتلاكه شكلًا نادرًا من أشكال الحرية.

أما فريدريك شيلر (Friedrich Schiller)، فقد ذهب أبعد حين ربط الجمال بتكوين الإنسان نفسه؛ فالجمال، في نظره، ليس ترفًا يضاف إلى الحياة بعد اكتمال ضرورياتها، بل يمكن أن يكون طريقًا إلى إنسانٍ أكثر توازنًا وحرية، لأن التربية الجمالية تهذّب فينا شيئًا لا تستطيع القوانين وحدها أن تهذّبه.

ثم جاءت العبارة التي ارتبطت بفيودور دوستويفسكي ((Fyodor Dostoevsky: "الجمال سينقذ العالم". وربما لم تكن قوتها في أنها قدّمت جوابًا، بل في أنها تركت سؤالًا أكبر: أي جمال يستطيع أن ينقذ عالمًا؟ بالتأكيد ليس جمال الملامح وحده، ولا جمال اللوحات والقصور؛ بل ربما ذلك الجمال الذي يظهر حين ينتصر الإنسان على قسوته، وحين تصبح الرحمة أجمل من الانتقام، والحقيقة أجمل من الوهم، والكرامة أجمل من القوة.

وعلى اختلاف هؤلاء، بقي الجمال أكبر من تعريفاتهم جميعًا؛ لأننا نستطيع أن نفسر لماذا تتناسق الألوان في لوحة، أو لماذا يريحنا لحن، لكن يبقى أصعب أن نفسر لماذا يملأ غروبُ شمسٍ الإنسانَ بصمتٍ لا يعرف له اسمًا، أو لماذا يمكن لموقفٍ إنساني صغير أن يعيد إليه إيمانه بالإنسان.

وربما لهذا كانت كلمة "الجمال" أصغر من معناها؛ سمّيناه جمالًا لأن اللغة احتاجت إلى اسم، لكن ما سمّيناه كان دائمًا أكبر من الاسم، فالجمال لا يكتفي بأن يكون أمام الإنسان، إنه يحدث شيئًا في الإنسان؛ وحين يحدث ذلك، لا تعود المسألة ماذا رأينا، بل ماذا أصبحنا بعد أن رأينا.

نظرة الجمال

إذا كان الجمال موجودًا حولنا بهذا الاتساع، فلماذا يراه إنسان ويمرّ أمامه آخر من دون أن ينتبه إليه؟ ربما لأن العين وحدها لا تكفي للرؤية.

نحن نرى بأعيننا، لكننا نرى أيضًا بما نحمله في داخلنا؛ بذاكرتنا، وتجاربنا، وأحكامنا، ومخاوفنا، وبالطريقة التي تعلّمنا بها أن ننظر إلى الأشياء. ولهذا قد يقف اثنان أمام المشهد نفسه، فيرى أحدهما ما لا يراه الآخر؛ لا لأن العالم تغيّر بين عينين، بل لأن العينين لم تتعلّما بالطريقة نفسها أن تريا.

ومن هنا، تصبح رؤية الجمال قدرةً يمكن للإنسان أن يصقلها في نفسه، ليس بأن يبحث طوال الوقت عن مشاهد استثنائية، بل بأن يستعيد انتباهه لما أصبح عاديًا؛ أن ينظر إلى السماء التي اعتادها، وأن يسمع صوتًا ألفه، وأن يتأمل وجهًا عاش معه سنوات، وأن يتوقف أمام حيوانٍ أو شجرةٍ أو طريقٍ قديم، كأن لكل واحد منها شيئًا لم يقله له بعد.

فالجمال لا يطلب دائمًا عينًا تبحث عن الأجمل، بل عينًا تعرف كيف تتأمل؛ وكلما تعلّم الإنسان أن يرى، اتسعت مساحة الجمال في حياته؛ لا لأن العالم تبدّل، بل لأن نظرته إليه أصبحت أوسع؛ وعندها لا يعود الجمال حكرًا على الكامل، ولا على الجديد، ولا على النادر؛ قد يراه في أثر الزمن على وجهٍ أحبّه، وفي شجرةٍ عتيقة انحنى جذعها ولم تسقط، وفي باب منزله الذي فتحه وأغلقه مليون مرة من دون أن يتوقف يومًا ليراه، وفي بيتٍ قديم يحمل ذاكرة أهله، وفي إنسانٍ لم تمنحه الحياة كل ما أراد، لكنه ما زال قادرًا على أن يمنح غيره شيئًا من الفرح.

وهنا يصبح صقلُ العين صقلًا للإنسانية أيضًا؛ لأن من يتعلم أن يبحث عن الجمال قبل أن يبحث عن النقص، يتعلم بالتدريج أن ينظر إلى الإنسان بالطريقة نفسها؛ فلا يكون أول ما يراه فيه ما ينقصه، ولا ما يختلف عنه، ولا الصورة التي كوّنها الناس عنه، بل ذلك الشيء المتفرّد الذي لا يظهر إلا لمن يمنح الآخر وقتًا كافيًا لكي يُرى.

ولا يعني هذا أن الجمال يمحو القبح، ولا أن النظرة الجميلة تحوّل الظلم إلى عدل أو الألم إلى فرح؛ فالعين التي ترى الجمال ليست عينًا ساذجة؛ إنها ترى العتمة، لكنها لا تسمح لها بأن تمحو الضوء؛ وترى الجرح، لكنها تعرف أن الإنسان أكبر من جرحه؛ وترى النقص، لكنها ترفض أن تختصر الكائن كله فيه.

أن ترى الجمال لا يعني أن تغمض عينيك عن القبح، بل أن ترفض أن يكون القبح فيما تراه. ولهذا لا تكون رؤية الجمال هروبًا من الحقيقة، بل طريقةً أعمق لرؤيتها؛ فالحقيقة ليست فقط ما انكسر في العالم، بل أيضًا ما بقي فيه قادرًا على النمو، والحب، والعطاء، والدهشة.

وحين يتعلم الإنسان أن يرى بهذه الطريقة، لا يعود الجمال شيئًا يبحث عنه بعيدًا؛ يكتشف أنه كان محاطًا به طوال الوقت، وأن الذي كان يحتاج إلى التغيير لم يكن العالم دائمًا، بل العين التي تنظر إليه.

"انظروا" و"تأملوا"

لم يتحدث يسوع عن الجمال بوصفه فكرةً فلسفية، ولم يضع له تعريفًا؛ لكنه فعل شيئًا ربما كان أعمق من التعريف: طلب من الإنسان أن ينظر.

قال: "انظروا إلى طيور السماء"، ثم قال: “تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو"؛ وكأن الطريق إلى فهم شيءٍ من جمال الخليقة يبدأ بفعلٍ بسيط ننساه كثيرًا: أن نتوقف، وأن ننظر، وأن نتأمل.

كانت الطيور موجودة قبل أن يشير إليها، وكانت الزنابق تتفتح قبل أن يدعو أحدًا إلى تأملها؛ لفت يسوع عين الإنسان إلى جمالٍ كان أمامه ولم يكن يراه؛ وفي الزنبقة الصغيرة رأى ما يستحق أن يقارن بأبهة الملوك؛ حتى سليمان، بكل مجده، لم يلبس كواحدةٍ منها؛ لم تكن قيمة الزنبقة في ثمنها، ولا في فائدتها، ولا في طول بقائها؛ كانت جميلة لأنها كانت، ببساطة، ما خُلقت لتكونه.

لكن العهد الجديد لا يترك الجمال في الحقول والطيور، فحين يتحدث بطرس عن الإنسان، ينقل النظر من الزينة التي تراها العين إلى "إنسان القلب الخفي"، وإلى جمالٍ لا يفنى، كأن في الإنسان جمالًا أعمق من أن تلتقطه المرآة، وأبقى من أن يحتفظ به الوجه؛ فهناك جمال يمنحه الزمن للملامح ثم يأخذه منها، وهناك جمال يستطيع الزمن نفسه أن يزيده عمقًا.

أما بولس، فيذهب بالنظر خطوةً أخرى؛ فلا يكتفي بأن يكون الجميل موجودًا أمام الإنسان، بل يدعوه إلى أن يوجّه فكره نحو كل ما هو حق، وشريف، وعادل، وطاهر، ومحبوب، وحسن الذكر، وكل ما فيه فضيلة وما يستحق المديح؛ وكأن العين ليست وحدها من تحتاج إلى أن تتعلم كيف ترى؛ الفكر أيضًا يستطيع أن يتعلم أين ينظر، وعلى ماذا يتوقف، وماذا يختار أن يحمل معه من العالم.

وهكذا، يصبح الجمال أوسع من صورةٍ جميلة؛ نراه في الخليقة، ونكتشفه في داخل الإنسان، ثم نتعلم أن نوجّه الفكر نحوه؛ هو ليس ترفًا للعين، بل طريقةً في النظر إلى الحياة، وإلى الآخر، وإلى أنفسنا.

ولعل هذا ما فعله يسوع قبل أن يُقال كل ذلك بالكلمات؛ فالطريقة التي رأى بها الزنابق والطيور امتدت إلى الإنسان أيضًا؛ رأى من مرّ الآخرون بجانبه، وتوقف عند من أخفته الأحكام، واقترب ممن وضعتهم الجماعة على الهامش؛ وحيث اختصر الناس إنسانًا في خطيئة، أو ضعف، أو مرض، أو مكانة اجتماعية، بقي هو قادرًا على أن يرى الإنسان قبل كل ما التصق به.

وهنا يصبح الجمال أكثر من تناسقٍ في الشكل؛ يصبح طريقةً في النظر، أن ترى في المخلوق ما أودعه الخالق فيه، وألا تسمح للحكم المسبق، أو المنفعة، أو الاختلاف، أن يحجب عنك قيمته.

فالله لم يخلق الزنبقة لكي نعلّمها كيف تكون جميلة، ولا الطائر لكي نمنحه قيمته، ولا الإنسان لكي نقرر إن كان يستحق أن يُرى؛ كانت الخليقة تحمل جمالها، وكان على الإنسان أن يرتقي بعينه حتى يستطيع أن يراه.

ولعل الجمال، في النهاية، ليس شيئًا وضعه الله في أماكن محددة لكي نبحث عنه، بل أثرٌ تركه في خليقته؛ في الزنبقة والطائر، وفي الإنسان الذي نحبّه، وحتى في الإنسان الذي لم نتعلم بعد كيف نراه.

ولعل واحدةً من أجمل دعوات يسوع إلى الإنسان مختبئةً في كلمة تبدو بسيطة: "انظروا".

فحين قال يسوع "انظروا"، لم يكن يطلب من الإنسان أن يرى أكثر فحسب، بل أن يتعلّم كيف يرى؛ لأن العين التي تتعلم أن ترى جمال الخليقة، وقيمة الإنسان، وأثر الخالق فيهما، تصبح هي نفسها أكثر قدرةً على الإنسانية.

الخاتمة

لا يحتاج العالم إلى مزيدٍ من الجمال بقدر ما يحتاج إلى إنسانٍ ما زال قادرًا على رؤيته؛ فالجمال كان هنا قبلنا؛ في الضوء والماء والشجر، في الطير والحيوان، في اختلاف الوجوه، وفي ذلك التنوع الذي لم يجعل من الخليقة نسخًا متشابهة؛ وكان هنا أيضًا في الرحمة التي لم يصفق لها أحد، وفي يدٍ أمسكت بيد، وفي إنسانٍ اختار أن يكون صادقًا حين كان الكذب أسهل، وأن يبقى وفيًا حين كان الرحيل أيسر.

لكن الجمال، مهما كان حاضرًا، يحتاج إلى من يراه.

وفي رحلتنا السابقة بحثنا عن المعنى الذي يبنيه الإنسان لحياته، وربما نكتشف هنا أن المعنى وحده لا يكفي؛ فليس المهم أن تمتلئ الحياة بالمعنى فقط، بل أن يكون هذا المعنى مفعمًا بالجمال. أن يكون ما نبنيه في داخلنا جميلًا، وما نتركه في الآخرين جميلًا، والطريق الذي نسلكه نحو غاياتنا جميلًا أيضًا.

لا تكون الإنسانية خيرًا وحده، ولا عدلًا وحده، ولا حريةً أو كرامةً أو رحمةً كلٌّ على حدة؛ إنها اللحظة التي تجتمع فيها هذه القيم، فتأخذ شكلًا واحدًا نستطيع بالكاد أن نسميه: الجمال.

لقد احتجنا إلى كلمةٍ لكي نسمّيه، فسمّيناه جمالًا؛ لكن ما سمّيناه كان دائمًا أكبر من الكلمة. هو ذلك الأثر الذي يجعلنا نصمت أمام غروب، ونبتسم أمام طفل، ونطمئن إلى حيوان، ونتوقف أمام فعلٍ إنساني صغير، ونشعر، للحظة، أن في هذا العالم شيئًا يستحق أن نحافظ عليه.

وإذا كان الله جمالًا، وكانت الخليقة تحمل أثر خالقها، فربما لم تكن مهمتنا أن نصنع الجمال من العدم، بل ألا نفقد العين التي تراه، والقلب الذي يشعر به، والإنسان الذي يستطيع أن يضيف إليه دون تشويه.

فالإنسانية لا تكتمل بأن نعرف الخير فقط، بل بأن نحافظ أيضًا على قدرتنا على رؤية الجمال في كل شيء؛ وأن نترك، حيثما مررنا، شيئًا يجعل الحياة أجمل.

لأن الطريق نحو الإنسانية، ربما، ليس إلا أن نتعلم كيف نرى الجمال، ثم نختار أن نكون جزءًا منه.