جان الفغالي

الغباء المالي بين إفلاس الخزينة وفراغ جيب المواطن

3 دقائق للقراءة

في لبنان، لم تعد عبارة "جيب المواطن" مجرد توصيف سياسي للسياسات الضريبية، بل باتت تلامس جوهر الأزمة المالية للدولة. فبدل أن تكون الخزينة أداة لإدارة اقتصاد منتج، وتحصيل الإيرادات من نمو الأعمال والاستثمارات والأرباح، تحوّل المواطن نفسه إلى المصدر الأسهل والأسرع للمال العام. والمفارقة الأكثر قسوة أن المواطن اللبناني أفلس تقريبًا قبل أن تتمكن الدولة من الخروج من أزمتها المالية.

يمكن تسمية هذه الظاهرة، من باب النقد السياسي والاقتصادي، بـ"الغباء المالي"، أي محاولة معالجة عجز مالي مزمن عبر زيادة ما يُجبى من اقتصاد يزداد فقرًا، بدلا من إصلاح أسباب العجز وتوسيع القاعدة الإنتاجية.

الأرقام الرسمية تكشف حجم الاعتماد على الضرائب، والأكثر دلالة أن الضرائب على السلع والخدمات وحدها شكّلت 55.2% من الإيرادات الضريبية، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من تمويل الدولة يأتي بصورة مباشرة أو غير مباشرة من الاستهلاك اليومي للمواطن.

في موازنة 2025، كانت ضريبة القيمة المضافة وحدها تمثل 33% من مصادر الإيرادات المقدّرة. (أما في موازنة 2026، فتصل حصة الإيرادات الضريبية المقدّرة إلى 82%، وتستحوذ ضريبة القيمة المضافة على 34.5% من مصادر الإيرادات.

هذه الأرقام تقول شيئًا واضحًا: الدولة لا توسّع اقتصادها كي تزيد مواردها، بل توسّع قدرتها على تحصيل المال من اقتصاد متقلّص.

المشكلة ليست في مبدأ الضريبة. الدولة تحتاج إلى الضرائب لتمويل التعليم والصحة والأمن والبنية التحتية. المشكلة في نوعية النظام الضريبي وتوقيت فرض الأعباء. عندما تزداد الضرائب والرسوم على الاستهلاك والخدمات فيما تتراجع المداخيل الحقيقية، تصبح الدولة عمليًا شريكًا في استنزاف القدرة الشرائية للمواطن.

والأخطر أن اللبناني دفع بالفعل ثمنًا هائلا للأزمة المالية. فقد انهار القطاع المصرفي، وتراجعت قيمة الليرة بنحو 98% وفق البنك الدولي، فيما خلّفت الأزمة خسائر مالية تتجاوز 70 مليار دولار. أي أن المواطن لم يخسر دخله فقط، بل خسر جزءًا كبيرًا من مدخراته.

لذلك، فإن الاستمرار في البحث عن المال داخل جيب المواطن يشبه محاولة ملء خزان مثقوب عبر عصر إسفنجة جافة. قد تحصل الخزينة على بعض الأموال، لكن الاقتصاد يزداد انكماشًا، والاستهلاك يتراجع، والاستثمار يتردد، والتهرب الضريبي يصبح أكثر إغراءً.

المخرج ليس في إلغاء الضرائب، بل في إعادة بناء الدولة المالية، وتحويل الضريبة من أداة لسحب ما تبقى من دخل المواطن إلى جزء من عقد عادل بين المواطن والدولة.

فالخزينة لا تُبنى من جيب مواطن مفلس. الخزينة المستدامة تُبنى من اقتصاد قادر على إنتاج الدخل، ومن دولة قادرة على حماية هذا الدخل وإنفاق المال العام بكفاءة. وما لم تدرك الدولة اللبنانية هذه المعادلة، فإنها قد تنجح في زيادة الإيرادات على الورق.