أثارت اتفاقية مكة نقاشًا حول ما إذا كانت الدول الثلاث، أي السعودية وتركيا وباكستان، تضع أسس تكتّل إقليمي منافس قد يشكّل تحدّيًا للمنظومة المدعومة أميركيًا والمبنية حول إسرائيل واتفاقات أبراهام، أم أنها ببساطة تؤسّس لنموذج جديد لتقاسم الأعباء الأمنية بين حلفاء الولايات المتحدة.
للوهلة الأولى، قد تبدو الاتفاقية خطوة إضافية في شبكة التحالفات التي تتشكّل في المنطقة. لكن التدقيق في هوية الدول الثلاث، وفي توقيت الاتفاقية ومضمونها، يكشف أن المسألة تتجاوز التعاون العسكري إلى محاولة إعادة رسم جزء من هندسة الأمن الإقليمي في لحظة تشهد فيها المنطقة تحوّلات كبيرة في موازين القوى.
فاتفاقية مكة، التي، كما بات معروفًا، تنصّ على اعتبار أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعًا، تضع ثلاث قوى أساسية ضمن مظلّة ردع مشتركة: السعودية بثقلها الاقتصادي والسياسي، وتركيا التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف "الناتو"، وباكستان القوّة النووية الإسلامية الوحيدة. لكن الأهمّ ليس فقط ما تقوله الاتفاقية، بل لماذا احتاجت هذه الدول إليها الآن؟
بالنسبة إلى الرياض، تبدو الرسالة واضحة. المملكة لم تعد تريد أن تضع أمنها بالكامل في سلّة واحدة. صحيح أنها وقّعت اتفاقية دفاع استراتيجية مع الولايات المتحدة، وحصلت على صفة حليف رئيسي من خارج "الناتو"، إلّا أنها لم تحصل على الضمانة الدفاعية الأميركية الملزمة التي سعت إليها طويلًا، والشبيهة بالمادة الخامسة من ميثاق الحلف. من هنا، تبدو اتفاقية مكة أقرب إلى تأمين إضافي للسعودية منها إلى انقلاب على تحالفها مع واشنطن.
أمّا تركيا، فتحصل على مساحة أوسع لدورها الإقليمي وعلى سوق إضافية لصناعتها الدفاعية المتنامية، فيما تدخل باكستان المعادلة بما تملكه من خبرة وقدرات عسكرية واستراتيجية، إضافة إلى السلاح النووي، وإن كانت الاتفاقية لا تعني تلقائيًا أن المظلّة النووية الباكستانية باتت ممتدّة إلى شريكيها.
وهنا تبدأ الحسابات الأكثر حساسية. رسميًّا، لا السعودية ولا تركيا تقولان إن إيران هي المستهدفة. والمفارقة أن طهران نفسها لم تتعامل مع الاتفاقية على أنها تهديد مباشر لها. فقد اعتبر المتحدّث باسم الخارجية الإيرانية أنه لا سبب يدعو إيران إلى القلق، واضعًا الاتفاق في إطار تحوّل أوسع تشهده المنطقة نحو اعتماد دولها بصورة أكبر على قدراتها وترتيباتها الأمنية الذاتية، بدلًا من الاتّكال على القوى الخارجية.
وقد يكون في الموقف الإيراني ما يتجاوز الاطمئنان إلى نيّات الدول الثلاث. فكلّ منظومة أمنية إقليمية تقلّص الحاجة إلى المظلّة الأميركية تنسجم، من حيث المبدأ، مع رؤية لطالما دفعت بها طهران، ومفادها أن أمن المنطقة يجب أن يُبنى من داخلها. لكن المفارقة أن الاتفاق نفسه، وإن لم يسمِّ إيران خصمًا، يضع السعودية إلى جانب قوّتين عسكريتين كبيرتين، إحداهما نووية، ويمنحها قدرة ردع إضافية في مواجهة أيّ تهديد مستقبلي.
لكن إذا كان الاتفاق لا يُقرأ في طهران كتحالف ضدّها، فهو قد يخلق حسابات أكثر تعقيدًا في إسرائيل. فتل أبيب اعتادت خلال السنوات الماضية على هندسة إقليمية تقوم على تقاربها مع دول عربية تحت المظلّة الأميركية، وكانت اتفاقات أبراهام أحد أبرز تعبيراتها. أمّا اليوم، فتظهر بالتوازي هندسة مختلفة، تتمثّل في دول حليفة لواشنطن تبني في ما بينها أدوات ردع لا تمرّ حكمًا عبر إسرائيل، ولا تشترط التطبيع معها. ويضاف إلى ذلك الحضور التركي في الاتفاق، في وقت تشهد فيه العلاقة بين أنقرة وتل أبيب توترًا متزايدًا.
من هنا، قد لا نكون أمام "ناتو إسلامي"، ولا أمام محور جديد مناهض لواشنطن، بقدر ما نحن أمام ظاهرة ربّما تكون أكثر أهمية. حلفاء الولايات المتحدة أنفسهم بدأوا يبنون قدرة أكبر على حماية مصالحهم من دون الاعتماد الكامل عليها. وهنا تكمن دلالة اتفاقية مكة. فهي لا تعلن نهاية النظام الأمني القديم، ولا تعني أن السعودية وتركيا وباكستان ابتعدت عن واشنطن، لكنها تؤشّر إلى أن نظامًا إقليميًا أكثر استقلالية بدأ يتشكّل إلى جانبه، وأن موازين القوى في المنطقة لم تعد تُرسم فقط بين واشنطن وطهران وتل أبيب، بل أيضًا بين قوى إقليمية قرّرت أن تبني مظلّاتها بنفسها.