تتربّع بلدة كوكبا المسيحية في قلب وادي التيم، ضمن قضاء حاصبيا، مطلّة على جبل التجلي وجبل حرمون، حيث تستقبل أولى خيوط الشمس كل صباح، ومنها استمدت اسمها السرياني الذي يعني "نجمة الصبح". وتجمع البلدة بين الإرث التاريخي العريق، والمعالم الدينية، والطبيعة الخلابة التي تزينها أشجار الزيتون المعمّرة.
وتنقسم كوكبا إلى قسمين: كوكبا التحتا التي ترتفع بين 500 و600 متر عن سطح البحر، وشهدت نهضتها العمرانية بعد زلزال عام 1956 بفضل موقعها على الطريق الدولي الرابط بين مرجعيون والمصنع، وقربها من أراضي الأهالي الزراعية، وكوكبا الفوقا التي ترتفع بين 700 و800 متر، وتفصلها عن القسم السفلي مسافة قصيرة تحفّها بساتين الزيتون العريقة.
وتبعد البلدة نحو 105 كيلومترات عن بيروت، وتُعد من أجمل قرى قضاء حاصبيا وأكثرها هدوءًا ونظافة، إذ حافظت على طابعها الريفي وتراثها الاجتماعي والثقافي والديني، ورسّخت نموذجًا في العيش المشترك مع محيطها، ولا سيما مع أبناء الطائفة الدرزية في حاصبيا ووادي التيم.
وتروي صفحات التاريخ أن كوكبا كانت ذات غالبية درزية قبل عهد الأمير فخر الدين الثاني، الذي شجّع انتقال الموارنة من شمال لبنان إلى المنطقة، وهي السياسة التي واصلها الأمير بشير الشهابي، ما أسهم في انتشار الوجود الماروني في مرجعيون وحاصبيا، فيما بقيت في البلدة عائلات درزية حتى عام 1925.
ويبلغ عدد أبناء كوكبا نحو ثلاثة آلاف نسمة بين مقيمين ومغتربين، بينما يزداد عدد سكانها خلال فصل الصيف والأعياد. ويشتهر أهلها بروح التضامن والتعاون والمحبة، وتمسّكهم بقيمهم الوطنية والاجتماعية.
وتعيش البلدة بهدوء يميّزها، إذ يقيم فيها نحو 600 شخص خلال فصل الصيف، وينخفض العدد إلى نحو 400 في الشتاء، فيما يفوق عدد أبنائها المغتربين 800 شخص، معظمهم في الدول العربية، ويشكّلون سندًا أساسيًا للأهالي من خلال مساهماتهم المستمرة في دعم العائلات والبلدة.
وتضم كوكبا أكثر من 200 منزل، إلى جانب عدد من المؤسسات التجارية التي تؤمّن جزءًا من حاجات السكان. أما المدرسة الرسمية في البلدة، فهي مقفلة منذ عام 1970، في انعكاس لتراجع عدد التلامذة والهجرة التي شهدتها البلدة على مدى العقود الماضية.
وتزخر كوكبا بمعالم دينية وتراثية بارزة، أبرزها كنيسة مار الياس الحي المشيدة في القرن السابع عشر فوق أنقاض كنيسة بيزنطية، وعين المسيح التي يروي التقليد الشعبي أن السيد المسيح بارك مياهها وشرب منها، ومقام سيدة حرمون القائم على أعلى تلة في البلدة، والذي يقصده المؤمنون من مختلف المناطق والطوائف.
كما تحتضن البلدة بستان زيتون العرايش، الذي يضم أشجارًا معمّرة يُقدَّر عمر بعضها بأكثر من أربعة آلاف عام، ويُعد، بحسب الموروث الديني، مكانًا مباركًا مرّ فيه السيد المسيح والسيدة العذراء.
وتجاور كوكبا سوق الخان الأسبوعي الذي يُقام كل يوم ثلثاء ويستقطب أبناء القرى المجاورة، كما تتميز بموقعها الجغرافي الذي يربطها بعدد من بلدات حاصبيا ومرجعيون.
كوكبا... إرادة البقاء أقوى من الحرب
ويؤكد مختار بلدة كوكبا جرجس جبور، في حديث لـ"نداء الوطن"، أنه بالتعاون مع المجلس البلدي، جرى منذ بداية الحرب العمل على دعم صمود الأهالي وتشجيعهم على البقاء في منازلهم رغم قساوة الظروف والمخاطر الأمنية، من خلال تأمين المساعدات الغذائية والاحتياجات الأساسية، بهدف التخفيف من الأعباء وتعزيز صمود العائلات.
ويضيف أن كوكبا، شأنها شأن العديد من البلدات المسيحية في الجنوب، لم تسلم من الاعتداءات الإسرائيلية، إذ لحقت أضرار بالمزروعات، كما تضرر عدد من المنازل نتيجة القصف. إلا أن أبناء البلدة تمسكوا بأرضهم وواصلوا حياتهم فيها، مؤكدين أن الصمود خيارهم، وأن الانتماء إلى الأرض أقوى من كل التحديات.
ويختصر أحد أبناء البلدة من المسنين، وقد تجاوز التسعين من عمره، أمنية جميع الأهالي بقوله إنه يتطلع إلى عودة الأمن والاستقرار والطمأنينة، لكي ينعم أبناء كوكبا بالسلام، ويعيشوا في ظروف اجتماعية واقتصادية كريمة، تمكنهم من تمضية ما تبقى من أعمارهم بكرامة وراحة.
ولم يقتصر تميّز كوكبا على تاريخها وطبيعتها، بل امتد إلى العمل الإنمائي، إذ كانت من أوائل البلدات اللبنانية التي اعتمدت مشروع الفرز من المصدر ومعمل فرز النفايات، إلى جانب تنفيذ مشاريع خدماتية وإنمائية ساهمت في تحسين نوعية الحياة، لتبقى كوكبا نموذجًا لبلدة تجمع بين الأصالة والتنمية، وتحافظ على إرثها وهويتها رغم كل التحديات.